ما وراء المشهد
بقلم : دكتورة إيناس عمر الصاوي
مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة
حين تتحول الشاشات إلى محاكم وتضيع الحقيقة بين الاتهام والدفاع
في زمن أصبحت فيه المعلومة تنتقل بسرعة الضوء عبر منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد الطب بمنأى عن تأثير هذا الفضاء الرقمي الواسع. وبينما أسهمت التكنولوجيا في نشر الوعي الصحي وتسهيل الوصول إلى المعرفة الطبية، ظهرت في المقابل ظواهر مقلقة تمثلت في انتشار المعلومات المغلوطة، والتشخيصات العشوائية، والنصائح غير العلمية التي يتداولها البعض دون أدنى مسؤولية.
لقد ارتبطت مهنة الطب عبر التاريخ بقيم سامية
في مقدمتها الأمانة والرحمة واحترام حياة الإنسان.
فالطبيب لا يتعامل مع أرقام أو بيانات جامدة، بل مع أرواح وآلام وآمال بشرية تستحق أعلى درجات المسؤولية المهنية والأخلاقية. ولذلك كان القسم الطبي منذ القدم بمثابة عهد أخلاقي يلتزم به الطبيب قبل أن يكون مجرد إجراء شكلي لممارسة المهنة.
غير أن المشهد الحالي يشهد حالة من التشوش غير المسبوق. فمع كل أزمة صحية أو مرض شائع، تمتلئ منصات التواصل بآراء متناقضة ونصائح مجهولة المصدر، حتى بات المواطن العادي عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة العلمية والشائعة. والأسوأ من ذلك أن بعض الأشخاص يقدمون أنفسهم كخبراء في مجالات لا يملكون فيها أي تأهيل علمي، مستغلين رغبة الناس في إيجاد حلول سريعة لمشكلاتهم الصحية.
ولا تقتصر خطورة هذه الظاهرة على نشر معلومات خاطئة فحسب، بل قد تمتد إلى تعريض حياة المرضى للخطر. فكم من شخص توقف عن تناول دوائه استنادًا إلى مقطع فيديو متداول، أو لجأ إلى وصفات غير مثبتة علميًا بعدما شاهدها على إحدى المنصات، لتكون النتيجة تدهور حالته الصحية أو فقدان فرصة العلاج في الوقت المناسب.
إن الأمانة الطبية لا تعني فقط إتقان التشخيص والعلاج بل تشمل كذلك الصدق في نقل المعلومات واحترام عقل المريض وعدم استغلال مخاوفه أو آلامه لتحقيق الشهرة أو المكاسب المادية. كما تفرض على الطبيب مسؤولية التصدي للمعلومات المغلوطة وتوعية المجتمع بلغة مبسطة وواضحة، بعيدًا عن التهويل أو الاستعراض الإعلامي.
وفي المقابل، تقع على عاتق وسائل الإعلام ومنصات التواصل مسؤولية كبيرة في مواجهة الفوضى المعلوماتية، من خلال تعزيز المحتوى العلمي الموثوق وإتاحة المساحة للمتخصصين الحقيقيين، والتصدي للمحتويات التي تنشر معلومات طبية مضللة قد تؤثر على الصحة العامة.
إن الطب سيظل واحدة من أنبل المهن ما دام قائمًا على العلم والأخلاق والأمانة. أما في عصر السوشيال ميديا فإن التحدي الأكبر لا يكمن في وفرة المعلومات، بل في القدرة على التمييز بين المعرفة الحقيقية والضجيج الإلكتروني. فحين تغيب الأمانة، تتحول المعلومة الطبية من وسيلة للشفاء إلى أداة للضرر، وحين يحضر الضمير المهني يبقى الطب رسالة إنسانية سامية تحفظ للإنسان صحته وكرامته.




