مأساة المليون بطل.. صرخة أمهات التوحد على أعتاب الرئيس السيسي
كتبت : منى منصور السيد
في عتمة التفاصيل المعقدة التي يفرضها اضطراب طيف التوحد، لا تبحث آلاف الأسر المصرية اليوم عن مجرد كلمات تعاطف عابرة، بل عن جسور حقيقية تعبر بأبنائها نحو الأمان. فالأمر ليس مجرد وعكة صحية تزول بالعقاقير، بل اضطراب نمائي عصبي معقد يؤثر بصورة مباشرة في كيفية إدراك الشخص للعالم الخارجي وتفاعله مع المحيطين به.
وتظهر علامات هذا الاضطراب مبكرًا، غالبًا منذ العام الثاني من عمر الطفل، ويستمر مرافقًا له طوال حياته.
كما يتسم بتنوع كبير في صورته الإكلينيكية، إذ تختلف أعراضه ودرجاته من حالة إلى أخرى، ما يجعله طيفًا واسعًا يمتد من تحديات سلوكية حادة وصعوبات بالغة في التواصل اللفظي وغير اللفظي، إلى أنماط سلوكية متكررة ولزمات نمطية تشكل عائقًا بين الطفل وممارسة حياته اليومية بصورة طبيعية.
إن الغوص في تفاصيل طيف التوحد يكشف حجم المعاناة الحقيقية التي تعيشها الأسر. فهؤلاء الأطفال يعانون من تشتت حاد في الانتباه واندفاعية مستمرة تتطلب جلسات مكثفة للتخطيط الحركي (السيكوموتري) لضبط إيقاع الجسد وتحسين الأداء الوظيفي. كما تتعامل حواسهم مع المثيرات البيئية بطريقة مختلفة نتيجة اضطرابات التكامل الحسي، مما يجعل الأصوات العادية أو الإضاءة الطبيعية مصدرًا للألم أو التوتر الشديد.
ويضاف إلى ذلك عدم اكتساب اللغة بصورة تلقائية لدى كثير من الحالات، الأمر الذي يستدعي جلسات تخاطب وتأهيل طويلة الأمد، فضلًا عن المشكلات العضوية المصاحبة، مثل اضطرابات النشاط الكهربائي بالمخ وفرط الحركة وتشتت الانتباه، ومشكلات الجهاز الهضمي وغيرها.
هذا المسار التأهيلي المتكامل يضع الأسر أمام أعباء مادية ونفسية واجتماعية تفوق طاقة الكثيرين، حيث تتراوح تكلفة الجلسة الواحدة بين 200 و300 جنيه، في ظل الحاجة إلى عدة جلسات متزامنة وعلى مدار سنوات طويلة، ما يجعل كثيرًا من البيوت تنهار بصمت تحت وطأة أعباء مالية مرهقة لا يستطيع المواطن البسيط تحملها.
وفي قلب هذا التحدي الإنساني الصعب، برزت حملة «ادعموا أطفال التوحد» كحركة مجتمعية واعية وُلدت من رحم المعاناة، وتأسست بجهود ذاتية ومبادرات شجاعة من الأمهات، وفي مقدمتهن الأم نهى حسن والأم سونيا أحمد، لتصبح الحملة صوتًا معبرًا عن أكثر من مليون طفل ومراهق وشاب من أصحاب طيف التوحد في مصر، وتمثل مع أسرهم شريحة مجتمعية تقترب من خمسة ملايين مواطن يواجهون التحديات نفسها يوميًا.
ولم تتوقف الحملة عند حدود الشكوى أو عرض المعاناة بل رفعت مطالب واضحة تدعو إلى تفعيل القوانين والتشريعات الخاصة بحقوق ذوي الهمم، وتحويلها إلى واقع ملموس يضمن لهؤلاء الأبطال حقهم في العلاج والتأهيل والتعليم والتدريب، بما يمكنهم من الاندماج في المجتمع والمشاركة الفاعلة في بنائه.
ومن هنا، ترفع الحملة ومؤسسوها مناشدة وطنية وإنسانية إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لتبني مشروع قومي متكامل لطيف التوحد، يضمن توفير العلاج الحكومي المجاني الشامل من خلال مراكز ومستشفيات متخصصة متعددة الفروع في مختلف المحافظات، على غرار الصروح الطبية المتخصصة في علاج الأورام والحروق.
كما تطالب الحملة برفع قيمة معاشات التكافل بما يتناسب مع التكلفة الفعلية لبرامج التأهيل طويلة المدى
إلى جانب إنشاء مراكز تأهيل حكومية مدعومة تسهم في خلق منافسة عادلة تخفض أسعار الخدمات العلاجية والتأهيلية.
وتتضمن المناشدة أيضًا الاستفادة من سنة الخدمة العامة لخريجي الجامعات، من خلال تدريبهم وتأهيلهم للعمل كمرافقين تربويين داخل المدارس، بما يخفف العبء عن الأسر ويساعد الأطفال على الاندماج التعليمي والاجتماعي.
كما تدعو إلى إنشاء دور رعاية متخصصة ومستدامة تحتضن أبناء طيف التوحد في حال فقدان ذويهم
لضمان مستقبل آمن لهم وحمايتهم من تقلبات الحياة فضلًا عن فتح قصور الثقافة ومراكز الشباب أمام إبداعاتهم ومواهبهم ومنتجاتهم الحرفية، وتسويقها بصورة دائمة تضمن لهم فرصًا حقيقية للإنتاج والاستقلال.
ويبقى المطلب الأقرب إلى قلوب الأسر، هو عودة احتفالية «قادرون باختلاف» بصورة سنوية ومنتظمة باعتبارها واحدة من أبرز المبادرات الإنسانية الداعمة لذوي الهمم، والتي مثلت على مدار سنوات رسالة أمل واحتواء، ومنارة مضيئة تؤكد أن أبناء التوحد ليسوا عبئًا على المجتمع، بل طاقات كامنة تستحق الرعاية والاهتمام والفرصة العادلة للحياة الكريمة.
