recent
أخبار ساخنة

هنا اقتصاد يُصنع : هل يكبر المشروع عندما يكبر صاحبه... أم عندما يتعلم أن يعمل بدونه؟



بقلم : نيللي الحمزاوي

الاختبار الحقيقي لأي مشروع ليس في بدايته، بل في قدرته على الاستمرار.

في بداية أي مشروع، يكون المؤسس هو كل شيء تقريبًا؛ فهو الذي يبيع، ويشتري، ويتابع الإنتاج، ويحل المشكلات، ويرد على العملاء، ويفكر في المستقبل. وفي تلك المرحلة يبدو الأمر طبيعيًا، فالمشروع ما زال صغيرًا والإمكانات محدودة، والشغف يعوض كثيرًا من النقص.


لكن مع مرور الوقت، يبدأ سؤال مهم في الظهور: هل يكبر المشروع فعلًا، أم أن صاحبه فقط هو الذي يعمل أكثر وأكثر؟

هنا يظهر الفرق بين النمو الحقيقي والنمو الوهمي.

فبعض أصحاب المشروعات يفتخرون بأنهم يعملون ستة عشر ساعة يوميًا، وأن كل قرار يمر من خلالهم، وأنهم يعرفون كل صغيرة وكبيرة داخل الشركة. وقد يبدو ذلك دليلًا على النجاح، لكنه في كثير من الأحيان يكون دليلًا على مشكلة كبيرة؛ لأن المشروع الذي لا يستطيع أن يتخذ خطوة واحدة دون صاحبه ليس مؤسسة، بل هو وظيفة كبيرة خلقها صاحبها لنفسه. إنها وظيفة مرهقة لكنها تظل وظيفة.

فإذا كان كل عميل ينتظر قرار المؤسس، وكل موظف يحتاج إلى موافقته، وكل مشكلة لا تُحل إلا بوجوده، فإن المشروع لم يكبر بعد، مهما ارتفعت مبيعاته؛ فما كبر في الحقيقة هو حجم الأعباء فقط.

أما النمو الحقيقي، فيبدأ عندما يتحول المشروع من الاعتماد على شخص إلى الاعتماد على نظام؛ عندما تصبح هناك إجراءات واضحة، وصلاحيات محددة وفريق قادر على اتخاذ القرار، وثقافة عمل يفهمها الجميع. هنا فقط يبدأ المشروع في التحول إلى مؤسسة.

ولعل هذا هو أصعب انتقال يواجهه كثير من رواد الأعمال؛ فالمؤسس الذي بنى كل شيء بيديه يجد صعوبة أحيانًا في التفويض. يخشى أن تنخفض الجودة، أو أن تُرتكب الأخطاء، أو أن تضيع رؤيته، فيستمر في الإمساك بكل الخيوط.

لكن المفارقة أن هذا الخوف قد يمنع المشروع من النمو أكثر من أي منافس في السوق؛ لأن الوقت محدود وطاقة الإنسان محدودة، ومهما بلغت خبرته، فلن يستطيع أن يكون أفضل بائع، وأفضل مدير، وأفضل محاسب، وأفضل مسؤول تشغيل في الوقت نفسه.

إن الشركات الكبرى لم تنجح لأن مؤسسيها كانوا يقومون بكل شيء، بل لأنها نجحت في بناء فرق عمل تستطيع إنجاز المهام بالشكل الصحيح. وهذا لا يعني غياب المؤسس، بل يعني تطور دوره.

ففي البداية يعمل داخل المشروع، ثم مع الوقت يبدأ العمل على المشروع، وهناك فرق كبير بين الاثنين؛ فالعمل داخل المشروع يعني متابعة التفاصيل اليومية، أما العمل على المشروع فيعني بناء المستقبل، ورسم الاستراتيجية واكتشاف الفرص الجديدة، وتطوير المنتجات، وفتح الأسواق، وصناعة الرؤية التي تقود الجميع. وهنا يتحول المؤسس من مدير لكل مهمة إلى قائد للرحلة بأكملها.

ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل صاحب مشروع على نفسه ليس: كم ساعة أعمل يوميًا؟ بل: ماذا سيحدث لو غبت شهرًا كاملًا؟ هل سيستمر العمل؟ هل ستُحل المشكلات؟ هل ستُنفذ الطلبات؟ وهل سيعرف الفريق ماذا يفعل؟

إذا كانت الإجابة نعم، فهذه علامة على أن المؤسسة تنمو. أما إذا كانت الإجابة لا، فما زال المشروع يعتمد على شخص أكثر مما يعتمد على نظام.

وفي عالم الصناعة تحديدًا، تصبح هذه القضية أكثر أهمية؛ فالمصانع لا تُبنى لتعيش سنوات قليلة، بل لتستمر عقودًا، ولتصبح مصدر رزق لأجيال. ولكي يحدث ذلك، لا بد أن تكون المعرفة موزعة، والمسؤوليات واضحة والأنظمة أقوى من الأفراد؛ فالأفراد، مهما كانوا مبدعين يرحلون يومًا ما، أما المؤسسات القوية فتستمر لأنها تعلمت كيف تعمل حتى عندما يتغير الأشخاص.

ولهذا، فإن نجاح صاحب المشروع لا يُقاس فقط بما بناه بيديه، بل بما استطاع أن يبنيه بحيث يستمر من بعده. 

فقدرة المؤسس على تشغيل كل شيء بنفسه مهارة، لكن قدرته على بناء مؤسسة تعمل بكفاءة بدونه هي الإنجاز الحقيقي.

وهنا يبدأ الفرق بين مشروع يعيش بصاحبه... ومؤسسة تستطيع أن تعيش لأجيال.

google-playkhamsatmostaqltradentX