recent
أخبار ساخنة

الدكتورة إيناس عمر الصاوي | تكتب ما وراء المشهد | الإرهاق الاجتماعي... عندما يتعب الإنسان من الناس

          ما وراء المشهد 


بقلم : دكتورة إيناس عمر الصاوي 

مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة 


في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتزايد فيه الضغوط اليومية، اعتاد الناس الحديث عن الإرهاق الناتج عن العمل، أو الأعباء المادية، أو المشكلات الصحية. 

لكن هناك نوعًا آخر من الإرهاق لا يحظى بالاهتمام الكافي رغم انتشاره بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يمكن تسميته بـ "الإرهاق الاجتماعي" ذلك الشعور بالتعب النفسي الناتج عن كثرة الصراعات الإنسانية وخيبات الأمل، والتعاملات السلبية المتكررة.



فكثير من الأشخاص لا يشعرون بالإجهاد بسبب كثرة المهام والمسؤوليات فقط، بل نتيجة ما يواجهونه يوميًا من توتر في العلاقات، أو غياب التقدير، أو سوء الفهم

أو اضطرارهم المستمر للتعامل مع أنماط سلوكية تستنزف طاقتهم النفسية. 

ومع مرور الوقت، يتحول هذا الاستنزاف إلى حالة من العزوف عن التواصل، والرغبة في الانسحاب من الحياة الاجتماعية.

ولعل ما يميز عصرنا الحالي أن العلاقات أصبحت أكثر سرعة وأقل عمقًا.

 فالتواصل متاح في كل وقت، لكن التفاهم الحقيقي أصبح أكثر ندرة. 



كما بات الإنسان مطالبًا بالرد والتفاعل والمشاركة بصورة مستمرة، مما أوجد ضغوطًا إضافية لم تكن موجودة في السابق.

كما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم هذا الشعور؛ إذ يجد كثيرون أنفسهم في حالة مقارنة دائمة مع الآخرين، أو في مواجهة نقاشات حادة وخلافات لا تنتهي، الأمر الذي يستهلك قدرًا كبيرًا من طاقتهم النفسية والعاطفية.

وتكمن خطورة الإرهاق الاجتماعي في أنه لا يظهر على هيئة مرض واضح، بل يتسلل تدريجيًا إلى النفس. فيصبح الشخص أقل رغبة في اللقاءات الاجتماعية وأكثر ميلًا إلى العزلة، وأضعف قدرة على منح الثقة 

أو بناء علاقات جديدة.

 وقد يفسر البعض هذا السلوك على أنه تكبر أو جفاء، بينما يكون في حقيقته محاولة لحماية الذات من مزيد من الاستنزاف النفسي.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تعني الانعزال عن المجتمع

 بل تستدعي إعادة النظر في نوعية العلاقات التي نمنحها وقتنا وطاقتنا. 

فليست كثرة العلاقات هي التي تمنح الإنسان الشعور بالأمان، بل جودة تلك العلاقات وصدقها. 




كما أن احترام الحدود الشخصية، والابتعاد عن العلاقات المؤذية، والحرص على التواصل الإيجابي، كلها عوامل تساعد على استعادة التوازن النفسي والاجتماعي.

وفي النهاية، يبقى الإنسان بحاجة إلى الآخرين، لكنه بحاجة أيضًا إلى علاقات تمنحه الطمأنينة لا القلق

 والدعم لا الاستنزاف.

 فالحياة ليست سباقًا نحو أكبر عدد من المعارف، بل هي رحلة بحث عن الروابط الإنسانية الصادقة التي تجعل الطريق أكثر رحمة وأقل قسوة.

google-playkhamsatmostaqltradentX