كتبت - منى منصور السيد
بين دهاليز الغرف المغلقة وحقول الألغام المشتعلة على الأرض، تتبدى ملامح الصراع الراهن في الشرق الأوسط؛ حيث كشفت التقارير الأخيرة لشبكة "CNN" الإخبارية عن معادلة معقدة يتداخل فيها الحبر الدبلوماسي المستعجل بدخان القذائف، لترسم مشهداً يغيب عنه اليقين وتتحكم في مساراته لغة المصالح والقوة.
تبدو الإدارة الأمريكية مستعجلة، مدفوعة برغبة حثيثة في تجنب عرقلة قطار المباحثات؛ إذ سارعت واشنطن بنشر مذكرة تفاهم مكونة من أربع عشرة نقطة مع طهران، في خطوة استباقية جاءت دون انتظار قرار القيادة العليا الإيرانية بشأن المقترحات التفصيلية والسرية المتعلقة بآليات التنفيذ، لاسيما ما يخص مستقبل البرنامج النووي، وتكشف هذه العجلة عن حجم الرهان الأمريكي على إحداث خرق ديبلوماسي، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام تفاصيل شائكة، خاصة مع ما يُتداول خلف الأبواب المغلقة من تفاهمات شفهية تفتقر لضمانات مكتوبة، مما يغذي الشكوك العميقة داخل مؤسسات صنع القرار في واشنطن حول مدى جدية التزام إيران ببنود الاتفاق.
وعلى وقع هذا الحذر السياسي، فرض الميدان كلمته ليعيد صياغة جدول الأعمال، حيث تحولت الساحة اللبنانية إلى ورقة الضغط الأبرز على طاولة التفاوض، فالضربات الجوية الإسرائيلية المستمرة وسقوط الضحايا في جنوب لبنان دفعا طهران إلى رفع سقف شروطها، مطالبة بضمانات واضحة لوقف العمليات العسكرية كشرط أساسي للمضي قدماً، هذا التصلب الإيراني ألقى بظلاله مباشرة على الدبلوماسية الأمريكية، وتجسد في تأجيل زيارة نائب الرئيس الأمريكي "جي دي فانس" إلى سويسرا، والتي كانت مقررة للمشاركة في المفاوضات، في إشارة واضحة إلى أن المسار السياسي بات رهيناً ببنادق الميدان.
إن المشهد الإقليمي الراهن، كما تفككه تقارير "CNN" يمثل حالة واضحة من صراع الإرادات بين القوى الكبرى والإقليمية، حيث تسعى إيران لتوظيف أوراقها الاستراتيجية وحلفائها في المنطقة للضغط على واشنطن من أجل كبح جماح الآلة العسكرية الإسرائيلية، فارضةً بند "وقف إطلاق النار الشامل" كبوابة إجبارية لأي تفاهمات نووية مستقبلية، وفي المقابل، تدرك واشنطن أن تمرير المذكرة دون آليات تنفيذية صارمة وسرية لن يكون سوى تأجيل مؤقت لانفجار أكبر.
في المحصلة، يظل الاتفاق المرتقب معلقاً بين حبر المذكرات التي تُنشر على عجل، ودخان القذائف التي تتساقط في جنوب لبنان، لينتج عن ذلك مشهد ضبابي يؤكد أن السلام في الغرف المغلقة لا يمكن صياغته بمعزل عن لغة القوة وبسط النفوذ على الأرض.
