ملحمة العطاء الصامت: في فلسفة الأبوة وتاريخ العرفان
كتبت /منى منصور السيد
حينما تلتفت الذاكرة الإنسانية لتتأمل مسيرة بناء المجتمعات، يتجلى خلف كل استقرار دافئ وتماسك أسري ظِل ممتد لرجل آثر أن يكون الركيزة الأساسية التي لا تميل، وفي الحادي والعشرين من يونيو، يتوقف العالم ليصنع من تقدير هذا العطاء طقساً سنوياً يحمل عمقاً إنسانياً فريداً، نحتفي فيه بالأب؛ ذلك الرمز الذي ارتبط تاريخه بالمسؤولية، والصبر، والتضحية التي تنكر ذاتها لتعبد للأبناء طريق الغد.
ولم تكن فكرة هذا اليوم وليدة مصادفة أو قرار رسمي جاف، بل نبتت من مشاعر امتنانه صادقة لقلب ابنة آلمها أن يرى العالم تضحيات الأمومة ولا يتوقف بالقدر ذاته عند بطولات الأبوة الصامتة؛ ففي عام 1909، ألهمت مسيرة رجل غرس بذور الحب والرعاية في قلوب أبنائه الستة بمفرده بعد رحيل زوجته، ابنتَه "سونورا سمارت دود" لتدشن حراكاً نبيلاً لتكريم الآباء، حيث رأت في والدها "ويليام جاكسون سمارت"، المحارب القديم في الحرب الأهلية الأمريكية الذي أفنى عمره في خدمة بيته، نموذجاً يستحق الثناء العالمي. واختارت شهر يونيو حاضناً لهذا العرفان تيمناً بميلاد والدها، ليثمر هذا الجهد المخلص عن أول احتفال رسمي بعيد الأب في ولاية واشنطن في التاسع عشر من يونيو عام 1910، قبل أن يتسع المدى وتتحول المبادرة الفردية إلى اعتراف دولي راسخ عام 1972 حين اعتمدت عطلة رسمية تُقام في الأحد الثالث من يونيو، لينطلق التقليد مكرساً تبجيل الأبوة عبر الثقافات باختلاف مرجعياتها.
إن الاحتفاء بالأب يتجاوز مجرد تبادل الكلمات العابرة، ليصبح وقفة تأمل واعية في طبيعة الدور التربوي والإستراتيجي للأسرة، فالأب يمثل مظلة الحماية وصاحب الرؤية التي يستمد منها الأبناء معايير القوة والمواطنة الصالحة، والمعلم الذي يرسخ قيم العطاء بالقدوة قبل الكلمة. وفي مجتمعاتنا الأصيلة، يكتسب هذا اليوم بعداً عميقاً يربط الأصالة بالمسؤولية، ويؤكد أن تماسك الأوطان يبدأ من قوة البيوت التي تقوم على أكتاف رجال وهبوا حياتهم ليظل البنيان شامخاً، فكل التحية لمن كان لعائلته وطناً وسنداً لا يغيب.
