في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي منابر مفتوحة للجميع، اختلطت الآراء بالحقائق، وتساوى صوت المتخصص مع صوت من لم يقرأ أو يدرس أو يمارس.
وأصبح كثيرون يتحدثون في الدين والسياسة والاقتصاد والطب والقانون وكأن الخبرة تُكتسب بضغطة زر
أو بمشاهدة مقطع فيديو عابر.
إن بناء الأمم لا يقوم على العشوائية، وإنما على احترام التخصص، والإيمان بأن لكل علمٍ أهله، ولكل مجالٍ رجاله.
فالدين له علماؤه الراسخون الذين أفنوا أعمارهم في دراسة القرآن الكريم والسنة النبوية والفقه وأصوله وليس كل من حفظ نصًا أو استمع إلى خطبة أصبح مؤهلًا للإفتاء أو تفسير الأحكام.
إن الكلمة في الدين مسؤولية عظيمة، والخطأ فيها قد يضلل أفرادًا ومجتمعات.
والسياسة ليست مجرد انفعالات أو شعارات تُطلق في المجالس أو على صفحات الإنترنت، بل هي علم قائم على فهم التاريخ والعلاقات الدولية والاستراتيجيات والقوانين وإدارة المصالح.
لذلك فإن تحليل القضايا السياسية يحتاج إلى المتخصصين القادرين على قراءة المشهد بموضوعية ووعي.
أما الاقتصاد، فهو عصب الدول وحياة الشعوب، وليس مجرد حديث عن الأسعار أو العملات.
إنه علم يعتمد على الدراسات والإحصاءات والتحليل العلمي، وأي معلومات غير دقيقة قد تزرع الذعر أو تبث أوهامًا تؤثر في المجتمع والأسواق.
ولا يختلف الأمر في الطب أو الهندسة أو القانون
أو التربية أو الإعلام أو غيرها من المجالات.
فكما لا نقبل أن يجري عملية جراحية شخص غير طبيب أو أن يصمم جسرًا شخص لم يدرس الهندسة، ينبغي أيضًا ألا نقبل أن يتصدر غير المؤهلين للحديث في القضايا المصيرية التي تمس الدين والوطن والاقتصاد ومستقبل الأجيال.
إن احترام التخصص ليس إقصاءً للآخرين، ولا مصادرةً لحق الناس في إبداء الرأي، وإنما هو احترام للعلم وتقدير للخبرة، وحماية للمجتمع من الفوضى الفكرية والمعلومات المضللة.
من حق الجميع أن يناقشوا ويتعلموا ويسألوا، لكن ليس من حق أحد أن يقدم نفسه مرجعًا في مجال لم يتخصص فيه، أو أن يصدر الأحكام وكأنها حقائق مطلقة.
إن الأمم المتقدمة لم تصل إلى ما هي عليه إلا لأنها جعلت القرار بيد أصحاب العلم والخبرة، وأعطت لكل متخصص مكانته، بينما تعاني المجتمعات التي تهمش أهل الاختصاص من انتشار الشائعات، وضعف القرارات وتراجع الوعي.
فلنعد إلى قاعدة بسيطة لكنها تصنع الفارق: الدين لأهله والسياسة للمتخصصين، والاقتصاد للخبراء، والطب للأطباء، والقانون للقانونيين، وكل شؤون الحياة لأصحاب العلم والمعرفة.
عندما نحترم التخصص، نحترم عقولنا، ونحمي أوطاننا ونؤسس لمجتمعٍ يقوم على المعرفة لا على الضجيج وعلى الحقيقة لا على الادعاء.
