عروبتنا قوتنا
بقلم : الكاتب جمال مختار
في عالم تتسارع فيه خطى التكتلات الاقتصادية وتشتد فيه المنافسة على الموارد والأسواق تظل أمتنا العربية تمتلك من المقومات ما لم يتوفر لغيرها من الأمم لكن الفارق الوحيد أن الآخرين استثمروا مواردهم بينما اكتفينا نحن بمراكمة الإحصائيات والأرقام دون أن نحولها إلى قوة فعلية هذا المقال ليس تأبينا لحالنا ولا بكاء على الأطلال بل هو محاولة لفهم عميق وشامل لكل ما نملك من ثروات طبيعية وبشرية ومقارنة موضوعية مع ما تملكه أوروبا ثم استشراف لما يمكن أن نكون عليه لو اتحدت إرادتنا السياسية والاقتصادية وأخيرا تشريح لأسباب تخلفنا ووصفة واضحة للخروج من النفق
المحور الأول الثروات الطبيعية تفصيل شامل لدولنا العربية
حين نتحدث عن الثروات الطبيعية في العالم العربي فإننا لا نبالغ إذا قلنا إن أرض العرب هي أغنى بقعة على وجه الأرض من حيث تنوع الموارد وضخامتها وسأفصل هنا ما تمتلكه كل دولة أو مجموعة دول من ثروات طبيعية تفصيلا دقيقا.
على صعيد النفط والغاز الطبيعي يتربع العالم العربي على عرش الطاقة العالمي فالمملكة العربية السعودية تمتلك وحدها احتياطيا نفطيا مؤكدا يبلغ مئتين وسبعة وستين مليار برميل مما يضعها في المرتبة الثانية عالميا بعد فنزويلا أما العراق فيحتل المرتبة الخامسة عالميا باحتياطي يبلغ مئة وخمسة وأربعين مليار برميل وتأتي الإمارات في المرتبة السادسة بمئة وثلاثة عشر مليار برميل والكويت في المرتبة السابعة بمئة وواحد فاصل خمسة مليار برميل بينما تحتل ليبيا المرتبة العاشرة عالميا بثمانية وأربعين فاصل أربعة مليار برميل ولا يتوقف الأمر عند هذه الدول فالجزائر تملك اثني عشر فاصل اثنين مليار برميل وقطر تملك خمسة وعشرين فاصل اثنين مليار برميل وعمان تملك ما يقارب خمسة مليارات برميل ومصر تملك ثلاثة فاصل ثلاثة مليار برميل والسودان خمسة مليارات برميل واليمن ثلاثة مليارات برميل وسوريا مليارين ونصف المليار برميل والمذهل أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجتمعة تملك أكثر من نصف احتياطيات النفط العالمية المؤكدة أي أكثر من ثمانمئة مليار برميل.
أما في مجال الغاز الطبيعي فالصورة أكثر إبهارا إذ تمتلك قطر ومعها إيران حقل الشمال الذي يعد أكبر حقل غاز في العالم وتقود قطر المشهد العالمي في إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال والجزائر هي الأخرى لاعب رئيسي في سوق الغاز العالمي باحتياطياتها الضخمة والسعودية والإمارات تملكان احتياطيات غازية هائلة تؤهلهما للعب دور محوري في سوق الطاقة لعقود قادمة.
وإذا خرجنا من دائرة النفط والغاز إلى المعادن الأخرى سنجد ثروات لا تقل أهمية ففي المغرب يتربع الفوسفات على العرش حيث يملك المغرب وحده أكثر من سبعين بالمئة من الاحتياطي العالمي من هذه المادة الحيوية لصناعة الأسمدة مما يجعله المتحكم الأول في الأمن الغذائي العالمي عبر التحكم في أسعار الأسمدة وإلى جوار المغرب تملك تونس احتياطيات مهمة من الفوسفات أيضا وكذلك الأردن ومصر والجزائر.
وفي السودان تتربع الثروة الذهبية على القمة باحتياطيات هائلة جعلته من أكبر منتجي الذهب في أفريقيا إلى جانب معادن أخرى كالحديد والنحاس والميكا والفضة أما موريتانيا فهي عملاق الحديد في العالم العربي باحتياطيات ضخمة من خام الحديد عالي الجودة إضافة إلى الذهب والنحاس والجبس والصومال يمتلك ثروات غير مستغلة من اليورانيوم وخام الحديد والقصدير والنحاس والغاز الطبيعي وهذه الثروات لو استغلت استغلالا أمثل لغيرت وجه
الصومال تماما.
وفي مصر تتنوع الثروات المعدنية بين الذهب والفوسفات وخام الحديد والمنغنيز إضافة إلى اكتشافات حديثة للعناصر الأرضية النادرة التي تدخل في صناعات التكنولوجيا المتطورة وفي الجزائر تمتد الثروات من النفط والغاز إلى خام الحديد والفوسفات والرصاص والزنك واليورانيوم وفي سوريا توجد احتياطيات من الفوسفات وخام الحديد والكروم والمنغنيز والرخام والملح الصخري والأردن يملك الفوسفات والبوتاس والصخر الزيتي وعمان تملك النحاس والكروميت والرخام إلى جانب النفط والغاز واليمن يملك الذهب والرصاص والنيكل مع النفط والغاز وجيبوتي تمتلك إمكانات هائلة في الطاقة الحرارية الأرضية إضافة إلى الذهب والملح ولبنان يملك خام الحديد والملح والمياه العذبة من ينابيعه الشهيرة.
هذه القائمة ليست حصرا نهائيا بل هي غيض من فيض فالوطن العربي يختزن في باطنه وفي مياهه الإقليمية ثروات سمكية هائلة في المحيط الأطلسي والبحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي وبحر العرب إضافة إلى الميزة النسبية الفريدة التي تتمتع بها معظم الدول العربية في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح حيث تستقبل الصحراء العربية أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم مما يجعلها مرشحة لأن تكون قوة عظمى في الطاقة المتجددة.
المحور الثاني الثروة البشرية العملاق النائم
إذا كانت ثرواتنا الطبيعية مبهرة فإن ثروتنا البشرية لا تقل عنها إبهارا بل تتفوق عليها في القيمة الاستراتيجية لأن النفط ينضب والغاز ينفد أما العقل البشري المبدع فهو المورد الوحيد الذي يتجدد وينمو مع الوقت.
يبلغ تعداد سكان العالم العربي اليوم حوالي خمسمئة وعشرين مليون نسمة حسب أحدث البيانات وهذا الرقم يتجاوز تعداد سكان الاتحاد الأوروبي الذي يبلغ حوالي أربعمئة وخمسين مليون نسمة لكن المفارقة الكبرى ليست في الحجم بل في التركيبة العمرية فبينما تعاني أوروبا من شيخوخة سكانية متسارعة حيث تجاوز متوسط العمر هناك اثنتين وأربعين سنة ويشكل المسنون فوق الخامسة والستين حوالي واحد وعشرين بالمئة من السكان يتمتع العالم العربي بشبابية سكانية مذهلة إذ يبلغ متوسط العمر في المنطقة تسعة وعشرين عاما فقط وفي دول كمصر يبلغ متوسط العمر خمسة وعشرين عاما ونصف العام وفي السودان واليمن والصومال تقل أعمار نصف السكان عن عشرين عاما.
هذه الشبابية السكانية تمثل فرصة ذهبية لما يسمى في علم الاقتصاد بالنافذة الديموغرافية حيث تكون نسبة السكان في سن العمل في أعلى مستوياتها مقابل نسبة منخفضة من المعالين من أطفال وشيوخ مما يتيح معدلات ادخار واستثمار عالية ويحرر موارد هائلة للتنمية لكن هذه النافذة هي سيف ذو حدين فإن أحسنا استغلالها صارت قاطرة للتنمية والازدهار وإن أسأنا إدارتها تحولت إلى قنبلة موقوتة من البطالة واليأس والتطرف.
وتشير إحصاءات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن معدل البطالة بين الشباب في العالم العربي يبلغ خمسة وعشرين فاصل اثنين بالمئة وترتفع النسبة بين الشابات إلى سبعة وثلاثين فاصل سبعة بالمئة وهو ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي هذا يعني أن ربع طاقاتنا البشرية الشابة معطلة عن العمل وأن ملايين الخريجين يدخلون سوق العمل سنويا ليجدوا الأبواب موصدة.
أما على صعيد الكفاءات العلمية فالمأساة أكبر إذ لا يتجاوز إنفاق الدول العربية على البحث العلمي نصف في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي بينما تنفق إسرائيل وحدها حوالي خمسة في المئة من ناتجها المحلي على البحث والتطوير وتنفق كوريا الجنوبية ما يزيد على أربعة في المئة وتنفق دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة حوالي اثنين في المئة كمعدل وسطي والنتيجة أن مساهمة العرب في الإنتاج العلمي العالمي لا تتجاوز الواحد في المئة رغم أننا نملك حوالي ستة في المئة من سكان العالم.
والأدهى من ذلك هو ظاهرة هجرة العقول أو ما يمكن تسميته بالاستنزاف الصامت فحسب بيانات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم يهاجر حوالي نصف الخريجين في التخصصات العلمية والهندسية من العالم العربي إلى الدول الغربية ودول الخليج بحثا عن فرص عمل وبيئة علمية محفزة وتكلف هذه الهجرة المنطقة العربية حوالي ملياري دولار سنويا لكن الخسارة الحقيقية لا تقاس بالمال بل بفقدان العقول القادرة على الابتكار وبناء الاقتصاد المعرفي.
وفي تونس وحدها هاجر ألف وستمئة طبيب من أصل ألف وتسعمئة خريج في سنة واحدة وتسعة وثلاثون ألف مهندس هم نصف المسجلين في نقابة المهندسين التونسية هاجروا بحثا عن حياة كريمة وهذا النمط يتكرر في مصر والجزائر والمغرب ولبنان وسوريا والعراق والسودان وكل دولة عربية تقريبا.
المحور الثالث مقارنة بين ثرواتنا وثروات أوروبا الطبيعية
حين نقارن بين ما تملكه الدول العربية مجتمعة وما تملكه دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرون تظهر المفارقة بوضوح صادم.
في مجال الطاقة تملك أوروبا احتياطيات نفطية لا تكاد تذكر النرويج وهي أغنى دولة أوروبية بالنفط لا يتجاوز احتياطيها سبعة مليارات برميل بينما تملك السعودية وحدها مئتين وسبعة وستين مليار برميل وتملك بريطانيا احتياطيا لا يتجاوز مليار ونصف المليار برميل وأما باقي الدول الأوروبية فإما لا تملك شيئا يذكر أو لا تملك شيئا على الإطلاق وفي الغاز الطبيعي لا تملك أوروبا سوى احتياطيات محدودة في بحر الشمال جعلتها تعتمد اعتمادا شبه كامل على روسيا لسنوات طويلة ثم على الغاز المسال الأمريكي والقطري والجزائري بعد الأزمة الأوكرانية.
أما في المعادن فأوروبا فقيرة نسبيا باستثناء بعض احتياطيات الحديد في السويد وخام البوكسيت في اليونان وكميات محدودة من النحاس في بولندا وإسبانيا وهي تستورد الغالبية العظمى من احتياجاتها المعدنية من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
لكن السؤال المحير هنا هو كيف استطاعت أوروبا رغم فقرها في الموارد الطبيعية أن تتفوق علينا بهذا الفارق المهول في القوة الاقتصادية فالناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي يبلغ حوالي تسعة عشر ألف مليار دولار بينما لا يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لجميع الدول العربية مجتمعة حوالي ثلاثة آلاف وأربعمئة مليار دولار أي أن الأوروبيين ينتجون في عام واحد ما يعادل خمسة أضعاف ونصف ما تنتجه الدول العربية مجتمعة.
الجواب باختصار هو أن أوروبا أدركت منذ قرون أن الثروة الحقيقية ليست في بيع المواد الخام بل في تحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية وأن الاستثمار في العقل البشري هو الاستثمار الأكثر ربحية في التاريخ هم يستوردون خام الحديد من موريتانيا والبرازيل ويحولونه إلى سيارات وآلات تباع بأضعاف ثمن المادة الخام ويستوردون النفط الخام من الخليج وليبيا والجزائر ويحولونه إلى آلاف المنتجات البتروكيماوية التي نعيد شراءها بأسعار مرتفعة ويستوردون الفوسفات من المغرب وتونس لصنع أسمدة زراعية نعيد شراءها منهم.
إنها معادلة التخلف بكل وضوح نحن نبيع المواد الخام الرخيصة ونستورد المنتجات المصنعة الغالية الثمن والفارق بين الثمنين هو قيمة العمل والعلم والإدارة والتكنولوجيا وهي بالضبط ما ينقصنا.
المحور الرابع ماذا لو اتحد العرب اقتصاديا
في الدراسات الاقتصادية يمكن قياس قوة أي تكتل عبر مقارنة ناتجه المحلي الإجمالي بناتج التكتلات الأخرى ولو افترضنا أن الدول العربية الاثنتين والعشرين اتحدت في كيان اقتصادي واحد أو على الأقل في سوق مشتركة حقيقية وليس مجرد حبر على ورق فإن الناتج المحلي الإجمالي لهذا الكيان سيبلغ حوالي ثلاثة آلاف وأربعمئة مليار دولار مما يجعله في المرتبة السابعة عالميا بين أكبر الاقتصادات متقدما على الهند حاليا لكن هذه المقارنة السطحية لا تعكس القوة الكامنة الحقيقية.
فحين نتحدث عن القوة الشرائية الحقيقية يرتفع الناتج المحلي الإجمالي العربي إلى حوالي تسعة آلاف ومئتي مليار دولار مما يضع الكيان العربي في مراتب أكثر تقدما وإذا أضفنا إلى ذلك أن العالم العربي يضم حوالي خمسمئة مليون مستهلك فسنكون أمام سوق استهلاكية ضخمة تجذب الاستثمارات من كل أنحاء العالم.
لكن القوة الحقيقية للاتحاد العربي الافتراضي لن تكون في حجم الناتج المحلي فحسب بل في التكامل الاقتصادي بين أجزائه فدول الخليج تملك رأس المال والطاقة ودول الشام ووادي النيل تملك الموارد البشرية الهائلة والأسواق الاستهلاكية الكبيرة ودول المغرب العربي تملك الثروات المعدنية والزراعية والموقع الاستراتيجي على أبواب أوروبا والسودان والقرن الأفريقي يملكان الأراضي الزراعية الشاسعة والثروة الحيوانية.
تخيل أن هذه المكونات اجتمعت في استراتيجية صناعية واحدة فتستثمر الفوائض المالية الخليجية في بناء مدن صناعية متكاملة في مصر والمغرب والجزائر وسوريا والعراق تستوعب ملايين العمالة الشابة وتنتج سلعا تنافس في الأسواق العالمية تخيل أن الصحراء العربية وقد غطيت بملايين الألواح الشمسية تمد المنطقة والعالم بالطاقة النظيفة إلى جانب النفط والغاز تخيل أن الجامعات العربية وقد تحولت إلى مراكز بحث وتطوير تنافس الجامعات الغربية بدلا من أن تكون مجرد معامل لإعداد الموظفين.
السؤال الأهم هل سيكون هذا الكيان أغنى تكتل في العالم الجواب المباشر هو نعم إذا قسنا الغنى بما نملكه من أصول وموارد وليس فقط بما ننتجه سنويا من سلع وخدمات فقيمة الموارد الطبيعية العربية في باطن الأرض لو تم تقييمها نقديا لبلغت عشرات التريليونات من الدولارات وإذا أضفنا إليها قيمة الموارد البشرية الشابة المتعلمة يصبح العرب أغنى أمة على وجه الأرض من حيث الأصول.
لكن علينا أن نكون واقعيين فالاتحاد الأوروبي استغرق أكثر من أربعين عاما من العمل المضني ليصل إلى ما هو عليه اليوم والصين احتاجت إلى ثلاثة عقود من الإصلاحات الجريئة لتصبح المصنع الأول في العالم والوحدة الاقتصادية العربية إن حدثت فلن تكون ثمرتها بين ليلة وضحاها بل هي مشروع جيل كامل يحتاج إلى إرادة سياسية أولا وإلى تخطيط استراتيجي ثانيا وإلى تضحيات وتنازلات متبادلة ثالثا.
المحور الخامس لماذا بقينا في صف العالم الثالث
حين نتأمل حالنا اليوم ونتساءل لماذا نحن في ذيل قائمة الأمم رغم كل هذه الثروات يبرز مفهوم لعنة الموارد الذي طوره الاقتصادي ريتشارد أوتي في تسعينيات القرن الماضي هذه النظرية التي أثبتت صحتها في عشرات الدراسات تقول إن الدول الغنية بالموارد الطبيعية تميل إلى النمو بوتيرة أبطأ من الدول الفقيرة بها والسبب ليس في الموارد ذاتها بل في كيفية إدارتها.
السبب الأول هو الاقتصاد الريعي فعندما تحصل الدولة على دخل سهل من تصدير النفط أو المعادن فإنها تهمل تطوير القطاعات الإنتاجية الأخرى كالزراعة والصناعة والخدمات ويصبح الاقتصاد كله معتمدا على سلعة واحدة أو سلعتين مما يجعله شديد الهشاشة أمام تقلبات الأسعار العالمية وهذا بالضبط ما حدث في الجزائر حين انهارت أسعار النفط عام ألفين وأربعة عشر وفي العراق الذي يعتمد على النفط في أكثر من تسعين بالمئة من إيرادات الدولة وفي ليبيا التي شلت تماما حين توقف تصدير النفط بسبب الحرب.
السبب الثاني هو ضعف المؤسسات والحوكمة فالموارد الطبيعية الهائلة تخلق فرصا هائلة للفساد والريع والصراع على السلطة بدلا من أن تكون محركا للتنمية وعندما تكون الميزانية العامة ممولة بالكامل من عوائد النفط تنقطع الصلة بين الدولة والمواطن فلا حاجة لفرض ضرائب تبرر المساءلة والمشاركة السياسية.
السبب الثالث هو إهمال رأس المال البشري فعندما تستطيع الدولة استيراد كل ما تحتاجه من الخارج بالمال النفطي فإنها لا تشعر بالحاجة إلى بناء نظام تعليمي ينتج المبدعين والمبتكرين بل تكتفي بنظام تعليمي ينتج الموظفين الإداريين الذين يديرون دورة الريع فتتراجع جودة التعليم وتضمر ثقافة الابتكار والعمل الجاد.
السبب الرابع هو غياب التكامل الاقتصادي العربي فعلى الرغم من أن جامعة الدول العربية تأسست قبل تأسيس الاتحاد الأوروبي باثنتي عشرة سنة إلا أن حجم التبادل التجاري بين الدول العربية لا يتجاوز عشرة بالمئة من إجمالي تجارتها الخارجية بينما تصل نسبة التجارة البينية في الاتحاد الأوروبي إلى أكثر من ستين بالمئة فنحن نستورد من الصين والهند والبرازيل ما يمكن أن ننتجه في المغرب ومصر والسودان.
السبب الخامس والأهم هو العجز عن التحول من اقتصاد المواد الخام إلى اقتصاد المعرفة فبينما استثمرت سنغافورة التي لا تملك أي موارد طبيعية في التعليم والتكنولوجيا لتصبح من أغنى دول العالم بقيت دولنا تراهن على النفط الذي سينتهي والغاز الذي سينضب والفوسفات الذي سينفد.
المحور السادس خارطة طريق للخروج من النفق
السؤال العملي الآن هو ما الذي يجب أن نفعله تحديدا للخروج من هذا المأزق التاريخي.
أولا التعليم والإبداع لا يكفي أن نرفع شعار إصلاح التعليم بل لا بد من ثورة تعليمية حقيقية تحول المدرسة من مكان لتلقين المعلومات إلى مختبر للإبداع والتفكير النقدي وعلينا أن نخصص ما لا يقل عن خمسة في المئة من الناتج المحلي للبحث العلمي بدلا من نصف في المئة الحالية وأن نربط الجامعات ومراكز الأبحاث باحتياجات الصناعة والزراعة والخدمات.
ثانيا التكامل الاقتصادي العربي يجب أن ننتقل من شعارات الوحدة إلى خطوات عملية فالبداية تكون بإقامة سوق عربية مشتركة حقيقية تلغى فيها الجمارك والقيود غير الجمركية تدريجيا ثم توحيد المواصفات والمقاييس ثم تنسيق السياسات الاستثمارية والضريبية ويمكن البدء بمشاريع تكاملية محددة كالربط الكهربائي العربي وربط شبكات النقل البري والبحري وخطوط أنابيب النفط والغاز.
ثالثا التنويع الاقتصادي يجب أن نستثمر جزءا كبيرا من العوائد النفطية الحالية في بناء قطاعات إنتاجية بديلة قبل أن تنضب الموارد وهنا يمكن الاقتداء بالتجربة النرويجية حيث أنشئ صندوق ثروة سيادي يستثمر عوائد النفط في الأسواق العالمية لضمان دخل للأجيال القادمة أو بالتجربة الإماراتية في دبي التي استثمرت في الخدمات اللوجستية والسياحة والعقارات لتصبح مركزا اقتصاديا عالميا.
رابعا الحوكمة والإصلاح المؤسسي لا يمكن لأي خطة تنموية أن تنجح في ظل فساد مستشر وإهدار للمال العام وضعف في سيادة القانون ولا بد من بناء مؤسسات قوية مستقلة قادرة على التخطيط طويل المدى ومحاربة الفساد وحماية المال العام.
خامسا الاستثمار في الاقتصاد الأخضر والمتجدد لدينا في العالم العربي فرصة ذهبية لأن نصبح قادة العالم في إنتاج الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر فالطاقة الشمسية التي نسخرها اليوم لتسخين الرمال يمكن أن تغذي صناعاتنا وتصدر للعالم بديلا عن النفط الذي سينتهي.
الخلاصة
في نهاية هذا التطواف بين ثرواتنا الطبيعية الهائلة وإمكاناتنا البشرية الواعدة وتحدياتنا البنيوية العميقة تتضح الصورة كاملة نحن لسنا فقراء ولا عاجزين ولا متخلفين بطبيعتنا كما يحلو للبعض أن يصورنا نحن أمة تملك كل مقومات القوة والغنى والمنعة لكننا نفتقر إلى الإرادة والرؤية والإدارة الرشيدة.
عروبتنا قوتنا ليست شعارا نرفعه في المناسبات بل هي حقيقة موضوعية تثبتها الأرقام والإحصائيات فلو أن هذه الدول الاثنتين والعشرين وحدت سياساتها الاقتصادية لشكلت كتلة لا يستهان بها في الاقتصاد العالمي ولو أنها استثمرت في تعليم شبابها بدلا من تصديرهم للخارج لأصبحت منبعا للإبداع والابتكار ولو أنها صنعت موادها الخام بدلا من بيعها لأصبحت مصنع العالم ومركزه المالي.
الثروة الطبيعية تنضب هذا قدرها أما الثروة البشرية المبدعة والمنتجة فهي الوحيدة التي تتجدد وتنمو ولا تحدها حدود لعنة الموارد ليست قدرا محتوما بل هي تحذير يجب أن نتعلم منه والنماذج الناجحة أمامنا تثبت أن الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية قادرتان على تحويل النقمة إلى نعمة.
فلنبدأ اليوم قبل الغد ولنزرع شجرة العلم والعمل والإنتاج التي ستستظل بها أجيالنا القادمة ولنتذكر دائما أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
المصادر :
تقرير أوبك للاحتياطيات النفطية العالمية.
بيانات وورلدوميتر لإحصاءات الاحتياطيات النفطية حسب الدولة.
بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان حول البطالة بين الشباب في المنطقة العربية.
دراسة لعنة الموارد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منشورة في ساينس دايركت.
بيانات الناتج المحلي الإجمالي للتكتلات الدولية من ميد لينكولن.
تقارير جامعة الدول العربية حول التجارة البينية العربية.

