recent
أخبار ساخنة

عصر التفاهة

الصفحة الرئيسية

 عصر التفاهة




الكاتب : جمال مختار


في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتداخل فيه المعلومات وتتشابك فيه الشبكات الاجتماعية والفكرية يبرز سؤال جوهري حول طبيعة السلطة الجديدة التي تحكم عالمنا المعاصر إنها ليست سلطة الطغاة التقليديين ولا سلطة النخب الفكرية التنويرية بل هي سلطة من نوع مختلف تماما إنها سلطة التفاهة هذا ما يحاول الفيلسوف الكندي آلان دونو كشفه وتفكيكه في كتابه الشهير نظام التفاهة الذي يمكن قراءته كتشريح دقيق لعصر جديد نعيشه جميعا عصر التفاهة


من هو آلان دونو

آلان دونو فيلسوف وأكاديمي كندي ولد في كيبيك ويعد واحدا من أبرز المفكرين النقديين في العصر الحديث يشغل دونو منصب أستاذ الفلسفة في جامعة كيبيك ويعمل أيضا باحثا في مجالات الفكر السياسي والفلسفة الاجتماعية والنقد الثقافي تميزت مسيرته الفكرية بالاهتمام بنقد العولمة والليبرالية المتوحشة وآليات اشتغال السلطة في العالم المعاصر لكنه اشتهر بشكل واسع بكتابه نظام التفاهة أو حكم التفاهة الصادر بالفرنسية تحت عنوان لاميديوكراتي والذي أحدث ضجة كبيرة في الأوساط الفكرية والثقافية عند صدوره


يعتمد دونو في أسلوبه الفلسفي على منهج تفكيكي يستلهم فيه من تقاليد الفلسفة النقدية الأوروبية خصوصا من مدرسة فرانكفورت ومن أعمال ميشيل فوكو وبيير بورديو لكنه في الوقت نفسه يطور أدواته التحليلية الخاصة التي تناسب فهم الظواهر الجديدة في القرن الحادي والعشرين إنه فيلسوف يمتلك جرأة نقدية لافتة تجعله يتناول مواضيع حساسة ومثيرة للجدل دون تردد أو مواربة


ما هو نظام التفاهة

يبدأ دونو كتابه بطرح مفهوم صادم وهو أننا لم نعد نعيش في ظل أنظمة سياسية أو اقتصادية واضحة المعالم بل نعيش تحت ما يسميه نظام التفاهة هذا النظام لا يعني أن الأغبياء هم من يحكموننا كما قد يتبادر إلى الذهن بل يعني شيئا أعمق وأكثر تعقيدا إنه يعني أن السلطة المعاصرة باتت تمارس من خلال تكريس التفاهة والتفاهة هنا لا تفهم بالمعنى اليومي للكلمة بل كمنظومة متكاملة من الممارسات والخطابات والمؤسسات التي تنتج أشخاصا عاديين بلا طموح فكري أو أخلاقي استثنائي أشخاصا همهم الوحيد الاندماج في النظام والتكيف مع متطلباته دون أي رغبة في تغييره أو حتى التفكير في إمكانية تغييره


يقول دونو في جوهر أطروحته إن النظام المعاصر لا يريد مواطنين متفكرين أو مبدعين أو نقديين إنه يريد أشخاصا متوسطين تماما أشخاصا يكتفون بالحد الأدنى من المعرفة والوعي أشخاصا يستجيبون بشكل آلي للإملاءات الاقتصادية والاجتماعية السائدة إنه يريد بشرا بلا صفات مميزة بلا أحلام كبيرة بلا طموحات تتجاوز الاستهلاك والترقية الوظيفية والاعتراف الاجتماعي السطحي عبر وسائل التواصل




جذور التفاهة في التاريخ الحديث

لا يعتبر دونو أن ظاهرة التفاهة وليدة اليوم بل يتتبع جذورها في التاريخ الحديث منذ الثورة الصناعية وصعود البرجوازية كطبقة حاكمة فرضت قيمها الخاصة على المجتمع بأسره لقد كانت البرجوازية الصاعدة في القرن التاسع عشر تحمل في داخلها تناقضا عميقا فهي من جهة تمثل قيما إيجابية كالعمل والانضباط والتنظيم ومن جهة أخرى كانت تحمل نزعة عميقة نحو تسطيح كل ما هو روحي وفكري وجمالي في الحياة الإنسانية لقد اختزلت هذه الطبقة معنى الوجود الإنساني في معادلة بسيطة هي الإنتاج والاستهلاك


ويرى دونو أن هذه الروح البرجوازية انتصرت بشكل ساحق في القرن العشرين والحادي والعشرين ولم يعد هناك أي قوة اجتماعية أو سياسية قادرة على تحديها لقد سقطت البدائل الكبرى كالشيوعية والاشتراكية والفاشية وبقيت الرأسمالية الليبرالية وحدها في الساحة وهي الآن بلا منافس حقيقي مما يجعلها تبدو كأنها النظام الطبيعي الوحيد الممكن للوجود البشري وهذا الانتصار النهائي هو الذي خلق الأرضية الخصبة لنشوء نظام التفاهة


مهندسو التفاهة

يخصص دونو جزءا كبيرا من كتابه للحديث عمن يسميهم مهندسي التفاهة وهم الخبراء الذين تحولوا إلى طبقة جديدة تدير النظام نيابة عن أصحاب رأس المال هؤلاء ليسوا أشرارا بالمعنى التقليدي بل هم أشخاص اندمجوا كليا في منطق النظام وباتوا يرون أن مهمتهم هي تحسين أداء هذا النظام وتطويع البشر له إنهم خبراء الإدارة وخبراء الموارد البشرية وخبراء التنمية البشرية وخبراء التسويق وخبراء العلاقات العامة وكل هذه الفئات الجديدة التي تضخمت بشكل هائل في العقود الأخيرة


يقول دونو إن هؤلاء الخبراء ينتجون خطابا خاصا هو ما يسميه اللغة الخشبية وهي لغة فارغة من أي مضمون حقيقي لكنها تبدو غاية في العقلانية والموضوعية لغة تعتمد على المصطلحات الفضفاضة وعلى العبارات المطاطة وعلى الأرقام والإحصائيات المنتزعة من سياقاتها لغة لا تقول شيئا لكنها تقول كل شيء إنها لغة مصممة لإخفاء الحقيقة لا لكشفها ولإرباك العقول لا لتنويرها


ثم يأتي دور كليات إدارة الأعمال التي يهاجمها دونو بشكل لاذع باعتبارها المصانع الحقيقية التي تنتج هؤلاء المهندسين إن هذه الكليات لا تعلم الطلاب كيف يفكرون بل تعلمهم كيف يعملون داخل النظام بفعالية لا تعلمهم الفلسفة أو الأدب أو التاريخ بل تعلمهم مهارات تقنية محضة تجعلهم ميكانيزمات بشرية مبرمجة على تحقيق أهداف محددة سلفا هكذا تتحول الجامعة من فضاء للتفكير الحر إلى ورشة لإنتاج الكوادر التي يحتاجها السوق


آليات اشتغال النظام

ينتقل دونو بعد ذلك إلى شرح الآليات الملموسة التي يشتغل من خلالها نظام التفاهة في الحياة اليومية للناس وهنا تتجلى براعته التحليلية في تقطيع أوصال هذا النظام وكشف أعضائه الداخلية


أولى هذه الآليات هي منظومة التعليم التي تحولت من مشروع تنويري إلى سوق للشهادات لم يعد الهدف من التعليم هو تكوين شخصية الإنسان وتوسيع آفاقه العقلية والروحية بل أصبح الهدف هو الحصول على شهادة تخول صاحبها ولوج سوق العمل والحصول على وظيفة الشهادة هنا تتحول إلى سلعة تباع وتشترى مثل أي سلعة أخرى والطالب يتحول إلى زبون والجامعة إلى متجر كبير


الآلية الثانية هي ثقافة التقييم والتصنيف التي باتت تغزو كل مجالات الحياة لقد أصبح البشر يخضعون بشكل دائم للتقييم وللتصنيف وللترتيب على أسس كمية مفترضة هذه الثقافة تنتج بشرا مهووسين بأرقامهم وبمراتبهم وبصورتهم أمام الآخرين إنها تحول الحياة إلى سباق محموم نحو لا شيء إنها تولد القلق الدائم والخوف المستمر من الفشل والتخلف عن الركب


الآلية الثالثة هي ما يسميه دونو استعمار الحياة اليومية من قبل منطق الإدارة إن الإدارة التي كانت مجرد أداة لتنظيم العمل تحولت إلى أيديولوجيا شاملة وإلى طريقة للوجود في العالم لقد أصبحت مفاهيم الإدارة كالفعالية والجودة والتميز والأداء والإنتاجية تطبق على الحياة الشخصية والعاطفية والروحية وعلى العلاقات الإنسانية نفسها هكذا يصبح الإنسان مديرا لذاته ولحياته كما لو كان مشروعا استثماريا


الآلية الرابعة هي هيمنة الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية التي خلقت ما يشبه الفضاء العمومي الجديد لكنه فضاء عمومي زائف يحكمه منطق الاستهلاك والإشهار وجمع البيانات الشخصية إن شبكات التواصل الاجتماعي لا تخلق تواصلا حقيقيا بين البشر بل تخلق أشكالا جديدة من العزلة والنرجسية والسطحية إنها تحول الإنسان إلى منتج يعرض نفسه في واجهة رقمية وإلى سلعة تتنافس مع سلع أخرى على جذب الانتباه


انتصار الإنسان المتوسط

يتوج دونو تحليله بالحديث عن الشخصية النموذجية التي يفرزها هذا النظام وهي شخصية الإنسان المتوسط هذا الشخص ليس غبيا ولا شريرا لكنه شخص بلا طموحات فكرية أو روحية كبيرة إنه يكتفي بأن يكون مواطنا صالحا بالمعنى الذي يحدده النظام أي مستهلكا جيدا وموظفا مطيعا ومتابعا سلبيا لوسائل الإعلام


وهنا يصل دونو إلى نتيجة صادمة وهي أن النظام المعاصر لا يحتاج إلى قمع الناس بالقوة لإخضاعهم كما كانت تفعل الأنظمة الاستبدادية القديمة إنه ببساطة يجعل الناس يرغبون في ما يريده هو منهم إنه ينتج ذاتا بشرية مبرمجة سلفا على تقبل وضعها والرضوخ له بل والدفاع عنه باعتباره الوضع الطبيعي الوحيد الممكن إن هذا النظام ينتج أعداءه على صورته


النظام ينتج أيضا نخبا جديدة هي نخب التفاهة أناس وصلوا إلى أعلى المراتب في السياسة والإعلام والأعمال دون أن يمتلكوا أي موهبة استثنائية أو ذكاء خارق أو رؤية عميقة للعالم لقد وصلوا لأنهم أتقنوا لعبة النظام وتكيفوا كليا مع قواعده إنهم ليسوا قادة حقيقيين يلهمون الناس بل هم مدراء ينفذون ما يمليه عليهم منطق السوق والعولمة


مقاومة التفاهة

في الفصل الأخير من الكتاب يطرح دونو سؤال الأمل هل يمكن مقاومة هذا النظام أم أن كل شيء قد ضاع يرفض دونو الاستسلام لليأس رغم قتامة الصورة التي رسمها فهو يرى أن الوعي بطبيعة النظام هو الخطوة الأولى نحو مقاومته إن مجرد فهم الآليات التي يشتغل بها نظام التفاهة هو بحد ذاته عمل تحرري


ويدعو دونو إلى العودة إلى الفكر النقدي بمعناه العميق أي القدرة على مساءلة المسلمات والبديهيات التي يفرضها النظام إنه يدعو إلى إعادة اكتشاف قيم الأصالة والتفرد والإبداع التي يحاول النظام قتلها فينا إنه يدعو إلى استعادة معنى الحياة كرحلة شخصية فريدة نحو الحقيقة والجمال والخير وليس كسباق نحو الاستهلاك والنجاح المادي الفارغ


كما يشدد دونو على ضرورة إعادة بناء فضاءات عمومية حقيقية خارج سيطرة منطق السوق والإشهار فضاءات يمكن فيها للناس أن يلتقوا كمواطنين أحرار يناقشون مصيرهم المشترك لا كمستهلكين أو كمنتجات رقمية يطاردون الإعجابات والمشاركات


نقد الكتاب وتأثيره

أثار كتاب نظام التفاهة نقاشا واسعا فور صدوره فهناك من اعتبره واحدا من أهم الكتب في نقد الرأسمالية المعاصرة وهناك من انتقده معتبرا أن تحليله ينزع نحو التعميم المفرط وأنه يبالغ في سوداوية الصورة ويرفض أي جانب إيجابي في الحداثة كما أن هناك من اتهمه بالنخبوية أي بازدراء الناس العاديين واعتبارهم مجرد قطيع


لكن مهما كانت الانتقادات الموجهة إليه فلا يمكن إنكار أن آلان دونو نجح في أن يمس عصب الحياة المعاصرة وفي أن يجعلنا نسأل أنفسنا أسئلة مزعجة عن الطريقة التي نعيش بها وحول ما إذا كنا حقا أحرارا أم أننا مجرد مبرمجين في نظام لا نراه لأننا غارقون فيه حتى النخاع


إن قراءة كتاب نظام التفاهة هي تجربة فكرية مزعجة ومقلقة لكنها ضرورية لكل من يريد أن يفهم العالم الذي يعيش فيه بشكل أعمق إنها رحلة إلى جحيم العادي وإلى هاوية المتوسط وإلى مستنقع البديهي لكنها رحلة لا بد منها لمن يريد شيئا من الخلاص الفكري والروحي


الخلاصة

في نهاية المطاف يذكرنا دونو بأن الإنسان لم يخلق ليكون متوسطا ولم يخلق ليكون مجرد ترس في آلة اقتصادية عملاقة إن في كل إنسان إمكانية للتميز والإبداع والأصالة لكن هذه الإمكانية تحتاج إلى شجاعة كي تتحقق شجاعة التفكير ضد التيار وشجاعة العيش وفق قناعات المرء الذاتية لا وفق إملاءات السوق والموضة والأيديولوجيا السائدة


إن عصر التفاهة هو العصر الذي نعيش فيه اليوم لكنه ليس قدرا محتوما علينا يمكننا أن نقاومه في أنفسنا أولا وفي محيطنا المباشر ثانيا ثم في المجتمع ككل ثالثا يمكننا أن نرفض أن نكون مجرد أرقام في إحصائيات خبراء التنمية البشرية ومهندسي التفاهة يمكننا أن نطالب بحياتنا كبشر لا كوظائف واستهلاكات وبيانات رقمية


هذا هو الدرس الأكبر الذي يقدمه آلان دونو لنا في كتابه الاستثنائي درس في الحرية والكرامة الإنسانية درس في أن الحياة أكبر وأعمق وأغنى من أن تختزل في أي نظام كان وخصوصا نظام التفاهة


المصادر 

كتاب La médiocratie

للكاتب (Alain Deneault) أستاذ الفلسفة بجامعة كيبيك 

الترجمة للدكتور . مشاعل عبد العزيز الهاجري .

google-playkhamsatmostaqltradentX