recent
أخبار ساخنة

دكتورة ميرنا القاضي | تكتب | ما بين الأثر والأسطورة..جزيرة بيجة

ما بين الأثر والأسطورة..جزيرة بيجة : غرفة نوم أوزير المحرمة.. حيث يُدفن الإله كل ليلة



ما بين الأثر والأسطورة

كتبت - دكتوره ميرنا القاضي

عالمة المصريات والشرق الأدنى 

تخيل مكانًا على الأرض ممنوعًا على البشر. لا ملك يدخله لا جيش يستطيع حصاره، ولا سائح يصوره. 

مكان "خارج الخريطة" بقرارٍ إلهي. 

هذا كان وصف جزيرة بيجة (Biga) عند المصري القديم.

بيجة ليست مجرد جزيرة في النيل قرب أسوان، بل كانت "أقدس 10 فدادين في مصر كلها".

1. شهادة ميلاد الجزيرة: هنا سقط أول جزء من الإله

تقول الأسطورة إنه عندما قطع ست جسد أوزير إلى 42 قطعة، كانت أول قطعة سقطت من الصندوق أثناء مروره في النيل هي "الساق اليسرى"، وسقطت بالضبط عند جزيرة بيجة.

من هذه اللحظة، لم تعد الجزيرة أرضًا عادية، بل أصبحت "جسدًا".

أطلق عليها المصريون اسم "إيو وعب" أي "الجزيرة الطاهرة"، بينما سماها اليونانيون "أباتون" (Abaton)، أي "المكان الذي لا يُداس". 

حرفيًا: ممنوع أن تطأه قدم. لماذا؟

لأنك إن مشيت عليها، فأنت تدوس على ساق أوزير شخصيًا، وهذه جريمة كونية.

2. الوظيفة السرية: قبر أوزير الحقيقي

كل المعابد ادّعت امتلاك جزء من أوزير: أبيدوس تملك الرأس، وغيرها تدّعي أجزاء مختلفة. 

لكن الكهنة كانوا يعرفون الحقيقة: الجسد الكامل بعد أن جمعته إيزيس دُفن في بيجة.


كان هناك هيكل صغير من الجرانيت يُسمى "قبر أوزير" فوق صخرة عالية في الجزيرة. 

هذا القبر لم يكن رمزًا، بل تصفه النصوص بأنه "مكان الرقاد العظيم".

كل يوم، كان كهنة من معبد فيلة القريب يبحرون إلى الجزيرة. يطوفون حول القبر 365 مرة، مرة عن كل يوم في السنة، ويضيئون 365 مصباحًا، ويقدمون 365 إبريقًا من اللبن. لماذا؟

لأن أوزير يموت ويُبعث كل يوم.

في العالم السفلي، يجلس على عرشه في "القاعة الصامتة"، حيث لا يعبر ضجيج الأحياء. هناك يحكم أرواح الموتى ويقيم ميزان ماعت. 

إنه "ملك الآخرة".

وفي الوقت نفسه، كان رع يعبر في مركبه الليلي لمحاربة ثعبان الفوضى "أبوفيس".

لذلك كان يتم شحن قبر أوزير بالقرابين يوميًا، ليس من أجل القتال، بل ليبقى قائمًا. 

لأن ثبات أوزير على عرشه كان يثبت العالم السفلي كله. ولو انهار العالم السفلي، فإن مركب رع يغرق، ولا تشرق الشمس مجددًا.

بمعنى آخر: بيجة لم تكن ساحة معركة، بل 

"غرفة تحكم كونية".

أوزير هو العمود الذي يسند الكون، ورع هو السيف الذي يحميه.

ولو سقط العمود، يفقد السيف معناه.

3. اليوم الوحيد المسموح: عيد "دفن الساق"

365 يومًا في السنة كانت الجزيرة مغلقة، باستثناء يوم واحد: اليوم 27 من شهر كيهك.

هذا اليوم كان يُعرف بـ "عيد نثرِت ورت" أي "عيد الإلهة العظيمة".

فيه، يخرج موكب ضخم من معبد إيزيس في فيلة.

 كهنة يحملون تمثال إيزيس الذهبي، برفقة 365 كاهنًا حليق الرأس، ويتجهون إلى بيجة.

الطقوس:

تقديم الأضاحي: غزال، أوز، وخبز من القمح الجديد.

الكاهن "سم" يرتدي قناع أنوبيس ليمثل تحنيط الساق من جديد.

إيزيس (عبر الكاهنة العظمى) تبكي وتصرخ حتى "توقظ" أوزير.

ثم تُدفن "ساق" جديدة مصنوعة من الطين والقمح قرب القبر القديم.

كان المصري القديم يعتبر هذا اليوم

 "رأس السنة الزراعية".

فعند دفن الساق، يضمن الفيضان، ويضمن نمو القمح.

معلومة مذهلة: المؤرخ الإغريقي "ديودور الصقلي" زار أسوان حوالي 60 ق.م وكتب أن الأهالي أقسموا له أنهم يسمعون بكاء إلهة من الجزيرة كل عام، وصوت أنين يخرج من الصخور.

في الحقيقة، كان ذلك صدى الطقوس الدينية.

كان الموكب يبدأ من معبد فيلة باتجاه بيجة، وكان الصوت ينعكس داخل المغارة المقدسة أسفل القبر، فيبدو كأنه "بكاء إيزيس".

لكن ما حدث كان تقنية صوتية ذكية استخدمها الكهنة، لا بكاء آلهة حقيقي.

4. لماذا غرقت؟ الخطة الأخيرة لحماية الجسد

عند بناء السد العالي في الستينيات، ارتفع منسوب المياه بشكل كبير. تم نقل معبد فيلة إلى جزيرة أجيليكا، لكن جزيرة بيجة تُركت.

تُركت لتغرق عمدًا.

كان يمكن لليونسكو نقل "قبر أوزير" مثلما نقلت المعابد لكن النتيجة كانت مختلفة: الجزيرة اختفت تحت بحيرة ناصر.

اليوم، تقع بيجة على عمق يقارب 10 أمتار تحت الماء.

القبر، الصخور، "الساق المقدسة"... كلها تحت النيل.

والنتيجة الرمزية المدهشة:

أوزير عاد لمدفنه الأول.

ست ألقاه في النيل قبل آلاف السنين، والإنسان الحديث أعاده إلى النيل مرة أخرى عام 1970.

الفرق أن الأولى كانت جريمة، والثانية كانت "دفنًا كونيًا صامتًا".

الخلاصة: أوزير كسب في النهاية

ست أراد محو جسد أوزير.

المصريون خبأوا الجسد في جزيرة محرمة لآلاف السنين.

وعندما حاولت الحضارة الحديثة كشفه، غمره الماء وحماه للأبد.



لا أحد يستطيع هدمه أو سرقته أو نقله إلى متحف.

لأن زيارة قبر أوزير الحقيقي اليوم تتطلب أن تكون سمكة… أو غطاسًا… أو روحًا.

أوزير لم ينتصر لأنه هرب من الموت

بل لأنه جعل الموت نفسه مقبرته الأبدية.

ولهذا حتى اليوم، عندما يمر الصيادون في أسوان فوق موقع الجزيرة، يرمون قطعة خبز في الماء، ويقولون:

"دي عشان سيدنا اللي نايم تحت"

إذا كانت بيجة هي "القبر الذي لا يُمس"

فهناك كتاب كان "المفتاح الذي لا يُقرأ"

في الحلقة القادمة سنفتح "كتاب الموتى"

ليس النسخة المعروضة في المتاحف،

بل النسخة التي دُفنت مع الكهنة.

النسخة التي تبدأ بتعويذة اسمها: "الخروج إلى النهار".

ولماذا كان المصري القديم يخشى "القلب" أكثر من خوفه من الثعبان "أبوفيس"؟

ولماذا كان الميزان يحتوي على ريشة؟

انتظرونا في "ما بين الأثر والأسطورة"  الحلقة 2

اعترافات الموتى... ومحكمة الآخرة

google-playkhamsatmostaqltradentX