recent
أخبار ساخنة

نقطة الرجوع

نقطة الرجوع 




       قصة قصيرة 

بقلم : منى منصور السيد

لم تكن الحكاية وليدة ليلة وضحاها، بل بدأت كأجمل ما تكون البدايات؛ حين كانت مشاعرها تجاهه أشبه بنهرٍ متدفق يفيض بالدفء والأمان، نهر لا يعرف الجفاف ولا الحذر. كانت تؤمن بأن الحب لا يُقاس بالحقوق ولا تُحدده المسافات، بل يُبنى على العطاء المطلق والاحتواء اللامحدود.

لأجله، تنازلت عن أحلامها الصغيرة واحدًا تلو الآخر، كمن يقدم قرابين على مذبح الطاعة. أسقطت حقها في الاهتمام، وفي العتاب، وحتى في أن تُسمَع. وكلما قصّر في حقها، اختلقت له مئات الأعذار، وكلما تراجع خطوة إلى الوراء، تقدمت هي خطوات لترميم الفراغ، ظنًا منها ـ ببراءة مفرطة ـ أن هذا السخاء العاطفي قادر على إذابة أي جفاء، وأن فرط العطاء سيجبره يومًا على التقدير.

لكنه كان يرى في تنازلها ضعفًا، وفي صمتها قبولًا، وفي عطائها اللامحدود حقًا مكتسبًا لا فضل فيه. فتحولت تضحياتها في عينيه إلى روتين باهت، وأصبح ضمان بقائها سببًا في تماديه وإهماله، حتى استمرأ الاستباحة.

ثم جاءت تلك الليلة العاصفة بالخذلان…

كانت تمر بأزمة نفسية طاحنة، تبحث فيها عن كتف تستند إليه وعن كلمة واحدة تشعرها بأن ما زرعته طوال السنوات تحصده الآن أمنًا واحتواءً. التفتت إليه بقلب يرتجف وعينين متوسلتين لحظة إنصات، لكنه لم يلتفت. ظل عابثًا بهاتفه، يلقي بكلمات باردة متململة، وكأن حزنها عبء ثقيل يفسد عليه هدوءه.

وحين عاتبته بنبرة مكسورة، تسأله إن كان صبرها طوال تلك السنوات لا يستحق بعض الاهتمام، جاء رده كطعنة غادرة مزقت ما تبقى في روحها:

«ومن طلب منكِ أن تضحي؟

أنتِ من اخترتِ العطاء بلا مقابل، فلا تتباكي الآن».

في تلك اللحظة، ساد صمت رهيب، صمت لم يشبه أي صمت مضى. شعرت بشيء يتمزق داخل صدرها، كقصر زجاجي تهشم دفعة واحدة. لم تبكِ، ولم تصرخ، ولم تعاتبه مجددًا. 

فقط نظرت في عينيه، فلم تجد ذلك البريق القديم، ثم نظرت في أعماقها، فلم تجد سوى رمادٍ بارد.

هناك… ماتت مشاعرها.

ومع انطفاء المشاعر، وُلدت في أعماقها “نقطة الرجوع للذات”. بدأت الروح المغتربة ارتدادًا عنيفًا إلى الداخل، بعد أن ظلت طويلًا تدور في فلكه وتلتمس رضاه. استيقظت من غيبوبتها العاطفية على وعي حاد، وسقطت التبريرات التي نسجها العقل لحماية الحبيب، ومات دور الضحية المستسلمة، ليحل محله كبرياء جديد يرفض الشفقة.

أغلقت منافذ العتاب، لأن العتاب مساحة أمل، والجحود كان قد اغتال كل أمل.

وبدأت النفس تستعيد طاقتها المبعثرة، وترمم حصونها المهدومة. أدركت أخيرًا أن الحدود تحمي الوجود، وأن البرود الذي يلف قلبها الآن ليس موتًا، بل بداية شفاء.

غادرت المكان دون أن تلتفت خلفها، لتبدأ أولى خطواتها في طريق التعافي وإعادة بناء ما دمره الخذلان. لم يكن الطريق سهلًا، فالخروج من أنقاض علاقة استنزفت الروح يحتاج إلى وقت وشجاعة، لكنها كانت مسلحة بوعي جديد، وعزيمة صلبة على ألا تسمح لأحد بتجاوز حدودها مرة أخرى.

تعلمت، في أيام عزلتها الأولى، أن الطيبة دون حزم دعوة مفتوحة للاستغلال، وأن التضحية التي لا تُقابل بالامتنان ما هي إلا انتحار عاطفي بطيء.

بدأت تصالح نفسها، وتستمع إلى رغباتها المؤجلة، وأحلامها التي وضعتها طويلًا على رفوف الانتظار. عادت إلى القراءة واسترجعت شغفها بالعمل والبناء، وأحاطت نفسها بالقلة الصادقة التي ترى قيمتها دون حاجة إلى تقديم القرابين.

ومع مرور الأيام، زارها السلام الداخلي الذي ظنته مستحيلًا. سلام نابع من الاكتفاء بالذات، وعدم رهن السعادة بوعود الآخرين.

لم تعد تلك المرأة التي تكسرها نظرة إهمال، أو يحييها ثناء عابر بل أصبحت كشجرة راسخة تضرب جذورها في عمق الأرض، تمنح الظل والثمر لمن يستحق، وتحمي نفسها من عواصف الجحود بأسوار من الكرامة والوعي.

وأدركت، في نهاية المطاف، أن تلك الليلة العاصفة بكل ما حملته من وجع، لم تكن نهاية حياتها، بل كانت المخاض العسير الذي وُلدت منه امرأة جديدة؛ امرأة قوية، مستقلة، تبتسم للماضي امتنانًا للدرس، وتتطلع للمستقبل بعينين تشعان ثقة وأملًا.

كانت تعلم أن أصعب مراحل العودة للذات ليست في مواجهة الآخرين، بل في مقاومة تلك الرغبة الخفية بالالتفات إلى الخلف أو انتظار اعتذار يرمم الكبرياء الجريح. لكنها حسمت أمرها؛ فالاعتذار لم يعد يعنيها، لأن القيمة التي استردتها نبتت من الداخل، ولم تعد معروضة في مزاد القبول والرفض عند أحد.

أعادت ترتيب أولوياتها، وجعلت من وعيها حصنًا، ومن تجاربها مادة لصياغة فلسفتها الخاصة في الحياة والعلاقات. أصبحت تمد يدها لتشارك، لا لتُلغي نفسها، ولتبني، لا لتضحي بلا حدود.

وحين التقت بنظرات المتسائلين، أولئك الذين أدهشهم تحولها من الانكسار إلى الشموخ، لم تتحدث عن الخذلان بكاءً، بل تحدثت عن الوعي نضجًا.

لقد تحولت حكايتها من قصة ضحية ذبحها الجحود، إلى ملحمة روح عرفت كيف تنهض من رمادها، لتعلن للعالم أن “نقطة الرجوع للذات” هي أعظم انتصار يمكن أن يحققه الإنسان في معركة الحياة.

وهكذا كُتب الفصل الأخير من هذه الحكاية، لا بمداد الدموع، بل بوعي راسخ وثبات لا يلين.

مرت الأيام، وتلاشت ملامح تلك الخيبة لتصبح مجرد سطر عابر في كتاب حياتها، سطر يُقرأ للعبرة لا للاجترار. ولم يكن هذا التحول مجرد نجاة من علاقة عابرة، بل كان إعلانًا صريحًا عن نضج إنساني مكتمل؛ نضج يتجلى في القدرة على العطاء المتوازن، الذي يحفظ للروح كرامتها، ويصون للقلب حقه في التقدير.

وفي النهاية، بقيت الحكاية شاهدة على أن أشد اللحظات عتمة قد تكون بوابة العبور إلى النور، وأن موت المشاعر القديمة لم يكن إلا بداية لميلاد مشاعر أكثر نبلًا ووعيًا… مشاعر تبدأ أولًا من احترام الذات، وتنتهي عند كرامة لا تقبل المساومة.

google-playkhamsatmostaqltradentX