recent
أخبار ساخنة

لبنان بين سلاح المقاومة والأطماع الإسرائيلية

لبنان بين سلاح المقاومة والأطماع الإسرائيلية



بقلم : ناصر السلاموني

رئيس الاتحاد الدولي للصحافة العربية 

أثار التصريح المنسوب إلى وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، والذي قال فيه: «نريد الاستيطان في لبنان، ويجب ألّا نخاف من الضغوط» موجة واسعة من القلق والتساؤلات حول طبيعة التوجهات الإسرائيلية المستقبلية تجاه جنوب لبنان وحول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر خطورة من الصراع، في ظل عالم يكتفي غالبًا ببيانات الإدانة والشجب، وغطاء سياسي أمريكي واضح، وصمت دولي يثير كثيرًا من علامات الاستفهام.


فمأساة لبنان هي نتاج عقود طويلة من التوازنات الطائفية المعقدة، والتدخلات الخارجية، والصراعات الإقليمية التي جعلته يعيش منذ نهاية الانتداب الفرنسي بين حلم الدولة الحديثة وصراعات الطوائف وأطماع الخارج، وصولًا إلى المواجهة المفتوحة بين حزب الله وإسرائيل.


بعد الاستقلال نشأ ما عُرف بـ “الميثاق الوطني”

وهو اتفاق غير مكتوب قام على توزيع السلطة بين الطوائف فرئيس الجمهورية ماروني، ورئيس الوزراء سُنّي، ورئيس مجلس النواب شيعي. وكان الهدف من هذا النظام تحقيق التوازن الوطني، لكنه مع مرور الوقت تحوّل إلى أحد أسباب الأزمات المزمنة، إذ أصبحت الطائفة في كثير من الأحيان أقوى من مؤسسات الدولة نفسها.


ومع تعدد القوى السياسية والطائفية، دخل لبنان في سلسلة من الصراعات الداخلية، كان أبرزها الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990)، التي مزّقت البلاد وفتحت الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية، خصوصًا من جانب سوريا وإسرائيل.


دخلت سوريا إلى لبنان عام 1976 تحت شعار “قوات الردع العربية”، بحجة وقف الحرب الأهلية ومنع انهيار الدولة، لكن وجودها تحوّل تدريجيًا إلى نفوذ سياسي وأمني واسع استمر لعقود، قبل أن تضطر إلى الانسحاب عام 2005 عقب الضغوط الدولية والاحتجاجات الشعبية بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.


أما إسرائيل، فمنذ تأسيسها عام 1948، ظل جنوب لبنان جزءًا من حساباتها الأمنية والاستراتيجية، ليس فقط بسبب التهديدات العسكرية، بل أيضًا لارتباطه بالمياه والحدود ومصالح الغاز في شرق المتوسط.


وفي هذا السياق، جاء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ليشكّل نقطة تحول كبرى، حيث ظهر حزب الله بدعم مباشر من إيران التي خرجت من الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 برؤية داعمة لحركات المقاومة. وفي تلك المرحلة، اعتبر كثير من اللبنانيين الحزب حركة مقاومة مشروعة، خاصة مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني.


ومع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، بدأ السؤال الجوهري يفرض نفسه: هل يستمر سلاح الحزب أم يُسلَّم للدولة؟ ومن هنا بدأ الانقسام اللبناني الداخلي بين من يرى في السلاح ضرورة للردع، ومن يعتبره خروجًا عن سيادة الدولة.


وجاءت حرب لبنان عام 2006 لتشكّل نقطة تحول حاسمة، بعدما تكبّد لبنان دمارًا واسعًا وخسائر بشرية واقتصادية هائلة، ما دفع قطاعًا من اللبنانيين إلى اعتبار أن وجود سلاح خارج إطار الدولة الشرعية قد يعرّض البلاد لحروب مدمرة ومتكررة.


لاحقًا، ومع تعمّق ارتباط حزب الله بإيران، وتوسّع دوره في صراعات إقليمية، ظهرت صورتان متناقضتان له؛ قوة ردع في مواجهة إسرائيل من جهة، وعامل إدخال لبنان في صراعات إقليمية من جهة أخرى، خصوصًا في ظل التوتر المتصاعد مع الولايات المتحدة.


وعلى الجانب الآخر، يُطرح دائمًا سؤال حول دور الجيش اللبناني، ولماذا لا يخوض مواجهة مباشرة مع إسرائيل. إلا أن الواقع يشير إلى أن الجيش يعمل ضمن إمكانيات محدودة مقارنة بالتفوق العسكري الإسرائيلي، كما أنه ملتزم بقرارات الأمم المتحدة، ويتحرك ضمن قرار سياسي معقد تحكمه التوازنات الطائفية والإقليمية، ما يجعل دوره يتركز في حفظ الاستقرار الداخلي أكثر من خوض حرب شاملة.


وفي السنوات الأخيرة، برزت محاولات للتهدئة، من بينها الاتفاق اللبناني الإسرائيلي لترسيم الحدود البحرية برعاية أمريكية عام 2022، وهو اتفاق تقني يتعلق بترسيم الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، ولم يكن اتفاق سلام سياسيًا بالمعنى التقليدي. ومع ذلك، لم يتحول الاتفاق إلى تهدئة دائمة، إذ بقي الصراع قائمًا بسبب استمرار التوتر بين إسرائيل وحزب الله.


ومع تصاعد الاشتباكات في جنوب لبنان، عاد شبح الحرب ليفرض نفسه من جديد، وسط غارات متبادلة وتبادل للاتهامات بخرق التهدئة. وفي ظل التفوق العسكري الإسرائيلي، يعيش سكان القرى الجنوبية حالة من القلق والخوف من تكرار مآسي الحروب السابقة وتحول مناطقهم إلى ساحات مواجهة مفتوحة.


ويبقى إصرار إسرائيل على نزع سلاح حزب الله جزءًا من رؤيتها الأمنية، إذ تعتبره تهديدًا مباشرًا وعاملًا يعزز نفوذ إيران في المنطقة. وفي المقابل، يرى أنصار الحزب أن إسرائيل تسعى إلى استنزاف المقاومة وإعادة تشكيل الواقع الأمني في الجنوب اللبناني بما يحقق تفوقًا طويل الأمد، وربما يفتح الباب أمام مشاريع توسعية جديدة.


وفي النهاية، يبقى المدنيون في لبنان وقطاع غزة هم الطرف الأكثر دفعًا لثمن الصراعات، بينما تستمر الحسابات السياسية والعسكرية في التحكم بمصير المنطقة. وبين سلاح المقاومة، والأطماع الإسرائيلية وصمت المجتمع الدولي، يظل لبنان عالقًا في معادلة معقدة تهدد أمنه واستقراره ومستقبل شعبه.


ويبقى الحل الحقيقي مرهونًا بقيام دولة لبنانية قوية تمتلك قرار الحرب والسلم، وبوقف السياسات التوسعية والاعتداءات التي تُبقي المنطقة على حافة الانفجار الدائم.

google-playkhamsatmostaqltradentX