أحد الشعانين : حين تتحول الشوارع إلى لوحات من السعف والبهجة
كتبت ـ منى منصور السيد
في قلب المدن والقرى، ومع إشراقة شمس هذا اليوم تكتسي الشوارع بصبغة اجتماعية فريدة، تتجاوز كونها مجرد طقس ديني، لتصبح كرنفالًا شعبيًا يجمع الناس على اختلاف أطيافهم حول موروث بصري وجمالي مبهج. إنه أحد الشعانين، اليوم الذي تبتسم فيه الأرصفة تحت ظلال سعف النخيل.
ليس المشهد مجرد غصن يُحمل، بل هو فن متوارث يتجلى في تلك التجمعات العفوية حول بائعي النخيل. ترى الفنانين الفطريين يجلسون على الأرصفة، وبأيدٍ خبيرة يحولون أعواد النخيل الخضراء والبيضاء إلى صلبان مزينة، وتيجان يرتديها الأطفال، وسلاسل معقدة يفتخر الصغار بحملها.
هذا المشهد يخلق حالة من التواصل البصري والروحي في الفضاء العام، حيث يتوقف المارّة لمشاهدة هذا الإبداع اليدوي الذي يربط الإنسان ببيئته وأرضه.
اجتماعيًا، يُعد هذا اليوم عيدًا للأطفال بامتياز؛ فترى الصغار بملابسهم الجديدة يتسابقون لاقتناء أجمل أشكال السعف المزينة بالورود وسنابل القمح. هذه الصورة لا تبني فقط ذاكرة سعيدة للطفل، بل تعزز في وجدانه قيم الاحتفاء بالطبيعة، ومعاني السلام التي يرمز إليها غصن الزيتون وسعف النخيل.
إنها لحظة اجتماعية تكسر رتابة الحياة اليومية لتنشر لونًا من البراءة والزهو في الميادين.
يحمل أحد الشعانين في طياته رسائل اجتماعية عميقة؛ فهو رمز للاستقبال والترحاب. وكما استقبلت القدس قديمًا ضيفها بالزيتون، تحول هذا اليوم في مجتمعاتنا إلى رمز لفتح القلوب. في الأحياء المشتركة، تجد الجار يهدي جاره غصنًا من السعف
أو يتبادلون التهاني في مشهد يجسد نسيج الوحدة الوطنية المتين. السعف هنا ليس مجرد نبات، بل رسالة سلام خضراء يتداولها الناس فيما بينهم.
ويمثل هذا الأحد عتبة نفسية واجتماعية؛ فهو ينهي فترة الصوم الكبير ويفتح الباب أمام أسبوع الآلام وصولًا إلى بهجة عيد القيامة. إنها لحظة انتقال من السكون والزهد إلى الحركة والاستعداد للاحتفالات الكبرى، مما يخلق حالة من النشاط في الأسواق والحارات، حيث تبدأ الأسر في التحضير للمناسبة وسط أجواء من المودة والترابط الأسري.
يبقى أحد الشعانين لوحة اجتماعية حية، تذكرنا بأن الجمال يمكن أن يُصنع من أبسط الأشياء، وأن الفرح الحقيقي هو ذاك الذي نتشاركه في الفضاءات العامة تحت سماء واحدة، وبقلوب تملؤها المحبة.
