الأمم المتحدة ... مؤسسات بلا تأثير في زمن الحروب
الأمم المتحدة ... مؤسسات بلا تأثير في زمن الحروب
بقلم : عماد الدين محمد
في ظل التصعيد العسكري المستمر الذي تقوده إسرائيل ضد كلٍّ من الشعب الفلسطيني، وإيران، ولبنان، وسوريا، واليمن، فضلًا عن امتدادات التأثير إلى عدد من دول الجوار، سواء عبر الحروب المباشرة أو من خلال الأنشطة الاستخباراتية كتمويل المعارضات وتنفيذ سياسات الاغتيالات؛ تتجدد التساؤلات حول مدى فاعلية النظام الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، ومحكمة العدل الدولية، في حفظ السلم والأمن الدوليين.
أولًا: غياب الفاعلية الدولية
رغم أن ميثاق الأمم المتحدة يمنح مجلس الأمن صلاحيات واسعة لوقف النزاعات، فإن الواقع يكشف عن حالة من الشلل شبه التام.
فقد فشل المجلس في اتخاذ قرارات حاسمة لوقف العمليات العسكرية، أو حتى فرض هدنة دائمة، نتيجة تضارب المصالح بين الدول دائمة العضوية، خاصة مع الاستخدام المتكرر لحق النقض (الفيتو).
ويعكس هذا الجمود خللًا بنيويًا في آليات اتخاذ القرار داخل المجلس، حيث تتحكم القوى الكبرى في مسار الأزمات وفقًا لمصالحها الاستراتيجية، لا وفقًا لمبادئ العدالة الدولية.
ثانيًا: ازدواجية المعايير
تتعرض الأمم المتحدة لانتقادات واسعة بسبب ما يُنظر إليه على أنه ازدواجية في المعايير، إذ تختلف ردود أفعالها من نزاع إلى آخر.
ففي الوقت الذي تُفرض فيه عقوبات سريعة على بعض الدول، يتم التغاضي عن انتهاكات جسيمة في مناطق أخرى، ومنها العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة.
هذا التباين يضعف من مصداقية المنظمة ويثير الشكوك حول حياديتها، خاصة في العالم العربي.
ثالثًا: نظرية الاغتيالات كأداة صراع
برزت في السنوات الأخيرة ما يمكن وصفه بـ"استراتيجية الاغتيالات الممنهجة"، حيث تُتهم إسرائيل بتنفيذ عمليات استهداف دقيقة لشخصيات عسكرية وعلمية داخل إيران وسوريا، وأحيانًا في لبنان.
وتُستخدم هذه العمليات، التي غالبًا ما تتم خارج إطار القانون الدولي، كأداة لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية دون الانخراط في حرب شاملة، فيما يُعرف بحروب "الظل" أو "الحروب غير المعلنة".
وتشير تحليلات سياسية إلى أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى:
إضعاف القدرات العسكرية للخصوم
خلق حالة من الردع النفسي
تجنب الضغوط الدولية الناتجة عن الحروب التقليدية
رابعًا: تداعيات الصمت الدولي
إن استمرار هذا النهج دون ردع دولي حقيقي يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة، ويشجع على انتهاك سيادة الدول دون محاسبة.
كما أن غياب دور فعال للأمم المتحدة يهدد بفقدان الثقة في النظام الدولي ككل، ويدفع بعض الدول إلى البحث عن بدائل خارج هذا الإطار، سواء عبر التحالفات الإقليمية أو سباقات التسلح.
خامسًا: الحاجة إلى إصلاح دولي
أصبح من الضروري إعادة النظر في هيكلية مجلس الأمن، خاصة فيما يتعلق بحق النقض، بما يضمن تحقيق قدر أكبر من العدالة والتوازن في اتخاذ القرارات.
كما ينبغي تفعيل آليات المحاسبة الدولية، وضمان عدم إفلات أي طرف من العقاب، بغض النظر عن قوته أو تحالفاته.
الخلاصة
إن ما تشهده المنطقة اليوم ليس مجرد صراع عسكري، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة المجتمع الدولي على فرض القانون الدولي. وفي ظل استمرار العجز الأممي، تبقى المنطقة عرضة لمزيد من التصعيد، ما لم تُتخذ خطوات جادة لإصلاح النظام العالمي وإعادة الاعتبار لمبادئ العدالة والسلام.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الصورة واضحة من حيث سيطرة منطق المصالح على حساب العدالة داخل المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى استمرار هذا النظام بصورته الحالية.
وعندما يُحكم العالم بمنطق القوة والمصالح، تتراجع فعليًا قيمة المؤسسات الدولية، ويغيب دورها الحقيقي في حماية الشعوب المستضعفة.
الحل، كما يراه كثيرون، يكمن إما في تفعيل حقيقي لميثاق الأمم المتحدة على الجميع دون استثناء، مع إعادة النظر في حق النقض (الفيتو)، بما يضمن تحقيق العدالة الدولية، أو مواجهة تساؤلات أكثر جذرية حول مستقبل هذه المنظومة بأكملها.

