recent
أخبار ساخنة

حاجة الإنسانية إلى الرسل ووحدة رسالتهم

وليد رزق
الصفحة الرئيسية

حاجة الإنسانية إلى الرسل ووحدة رسالتهم



بقلم : إيهاب سمرة

إذا كان الناس في كل زمان ومكان لا يستغنون عن ضرورات الحياة لأبدانهم، كالطعام والشراب، فإن حاجتهم إلى الرسل الكرام الذين يهدونهم إلى الطريق المستقيم، ويغذّون أرواحهم بالعلم النافع، أشد وأعظم.


وذلك لأن غذاء الروح يكون بالعلم النافع، وبالخلق العظيم، وبالعقائد الصحيحة، وبالهدي القويم، وبالمنهج السليم الذي جاء به الرسل من عند الخالق عز وجل.


إن حاجة الإنسانية إلى الرسل كحاجتها إلى حياتها الآمنة المطمئنة؛ إذ لو تُركت الحياة الإنسانية تسير وفق ما تمليه العقول، لعاش الناس في خلاف دائم، وعراك مستمر، وتنازع لا ينقطع، ولما اتفقوا على حقيقة واحدة تصلح حالهم ومآلهم؛ لأن العقول مختلفة في مقاصدها وغاياتها.


لذا كانت بعثة الأنبياء، الذين بلّغوا عن خالق الإنسان ما يصلحه وما يهديه، ضرورة لا فكاك منها، لتجنيب العالم الانغماس في ظلمات الأطماع والأنانية والشرور والعدوان.


لقد بيّن الرسل للناس ما يجب عليهم نحو خالقهم، وما يجب عليهم نحو أنفسهم، وما يجب عليهم نحو آبائهم

 وما يجب عليهم نحو غيرهم. ولو اتبع الناس في كل زمان ومكان تعاليم أنبيائهم، لعاشوا في سعادة غامرة، ولفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض.

إننا نرى بأعيننا، ونلمس بمشاعرنا، أن الناس في كل زمان ومكان محتاجون إلى المصلحين الذين يعملون على تحقيق سعادة الأفراد والجماعات؛ إذ لولا هؤلاء المصلحون لظل كثير من الناس في غيّهم يعمهون.

والأمم التي كثر فيها المصلحون، كثر فيها الخير، والرقي والأمن، والرخاء، والتعاون بين أفرادها على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.

أما الأمم التي قلّ فيها المصلحون، والآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، فإن الشر والفسوق والعصيان يكثر فيها، ويكون أمرها فرطًا، وعاقبتها الخسران.

الوحي يهدي إلى الصراط المستقيم

إن الرسل الكرام هم الذين تلقّوا من خالقهم، عن طريق الوحي، ما يهدي الناس إلى الصراط المستقيم. وقد بلّغ الرسل ما كُلِّفوا بتبليغه إلى الناس بكل صدق وأمانة ونشاط وإخلاص، وعلّموهم ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، وبشّروهم بحسن العاقبة إذا أحسنوا، وبسوء المصير إذا أساؤوا.

وكان الرسل في كل أمة هم المرجع لغيرهم عند الحيرة وهم الهداة إلى الطريق القويم في أمور الدنيا والآخرة لذا كانت حاجة الناس إليهم ضرورة لا يختلف فيها عاقلان.

إن إقامة الدين وعبادة الله تعالى تنتظم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما تنتظم الأقوال الطيبة، والأعمال الصالحة، والأفعال الكريمة، والمعاملات الحسنة، والآداب القويمة، والعبادات الصحيحة والعلاقات السليمة بين الأفراد والجماعات، وكل ما يزكي النفس، ويطهّر القلب، ويضيء العقول بالمعارف النافعة لكي يبلغ الإنسان الكمال المادي والأدبي في هذه الحياة.

وهذه القيم السامية لا يمكن للبشر أن يصلوا إليها بعقولهم وحدها، وإنما يتعلمونها من تعاليم وهدايات الرسل الكرام، الذين تلقّوا علمهم من الله تعالى عن طريق وحيه الأمين.

وقد أرسل الله تعالى هؤلاء الرسل إلى الأمم في جميع العصور، فلم تخلُ أمة من رسول يبشّرها وينذرها، كما قال تعالى:

﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 165)

رحمة الله بعباده بإرسال الرسل

ومن الآيات التي قررت أن رحمة الله تعالى بعباده اقتضت إرسال الرسل لكل أمة قوله تعالى:

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: 24)

وقوله سبحانه:

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (يونس: 47)

وقد فصّل الإمام محمد عبده – رحمه الله – في كتابه «رسالة التوحيد» الحديث عن حاجة البشر إلى الرسل فقال:

"لقد أرسل الله تعالى لعباده رسلًا مرشدين هادين، وميّزهم بخصائص لا يشاركهم فيها سواهم، وأيّدهم بمعجزات باهرات تملك النفوس، وتأخذ الطرق على سوابق العقول، فيستخذي الطامح، ويذل الجامح، ويصدم بها عقل العاقل فيرجع إلى رشده، وينبهر لها بصر الجاهل فيرتد عن غيّه."

وحدة رسالة الرسل

الرسل جميعًا جاءوا من عند الله تعالى برسالة واحدة في أصولها وجوهرها، وهي دعوة الناس إلى الإيمان وإخلاص العبادة لله الواحد القهار، والتحلّي بمكارم الأخلاق.

وقد قرر القرآن الكريم في كثير من آياته أن جميع الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – أمروا أقوامهم بعبادة الله وحده، وحذّروهم من سوء عاقبة الشرك به.

ومن أمثلة ذلك:

قال تعالى:

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الأعراف: 59)

وقال سبحانه:

﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 65)

وقال تعالى:

﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61)

وقال تعالى:

﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ (هود: 84)

ومن خلال ذلك يتبيّن بوضوح أن الرسل جميعًا جاءوا بشريعة واحدة في أصولها وجوهرها، وأن الاختلاف إنما يكون في الفروع والجزئيات.

وصدق الله تعالى إذ يقول:

﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: 13)

google-playkhamsatmostaqltradentX