دعهم يسيئون فهمك ... على ألّا يُبطلوا أملك
بقلم : ندى سمير
سأبدأ بجملة قد تبدو كلاسيكية نوعًا ما، لكن دعنا نتأملها ونسقطها على تجاربنا في الواقع: لا تحاول أن تثبت شيئًا لأحد.
لا تُثبت صدقك، ولا حلمك، ولا مبادئك، ولا قيمك. لا تسعَ لإقناع أحد أو إرضائه. ولذلك أقول: دعهم يسيئون فهمك على ألّا يُبطلوا أملك.
دعهم يتخيلون عنك ما شاؤوا، ويتهمونك بما أرادوا ويلقبونك بما يشفي غليلهم ويرضي عُقدهم. فقط دعهم.
ما ضرّ الشمس إن قالوا عنها مطفأة؟
ما ضرّ السماء إن قالوا عنها خانقة؟
ما ضرّ البحر إن قالوا عنه أخضر؟
لا شيء... لن يضيرها شيء.
حين سأل موسى عليه السلام ربَّه أن يمنّ عليه بنعمة ألّا يتحدث عنه أحد بما ليس فيه، جاءه الجواب: هل أهبك شيئًا لم أهبه لنفسي؟
فالناس يتطاولون يوميًا على دين الله وخلقه وربوبيته، فما بالك أنت أيها الإنسان؟ أتراهم سيتعففون عنك؟
الحقيقة تبقى حقيقة، ولو أنكرها الجميع. ومن أراد أن يراها فسيراها، ومن لم يُرِد فلن يخفيها أحد عنه.
إن من تمام الاستغناء والقوة ألّا تتوق لإثبات نفسك، ولا تنتظر أن يرى الناس مجهودك، أو يمدحوك، أو يصفقوا لمعاناتك.
أعلم أننا نولد باحثين عن الخلود، عن التذكُّر، عن الاهتمام، عن ترك الأثر، وعن الاعتراف الإنساني بوجودنا. نعم، إنها شهوة ولذة ليس من السهل تجاوزها، لكنها وهم.
تذكُّر الخلق لك لا يمنحك القيمة، لكن مراقبة الله لك تمنحك تلك القيمة.
مديح الناس لا يرفعك، لكن ثناء الله عليك يرفعك.
حب الناس لا يحييك، لكن حب الله يرضيك.
لا شيء من الناس دائم، ولا شيء منهم كافٍ.
الله وحده يهبك الدوام، ويهبك الحقيقة، بينما الناس قد يبيعونك الوهم.
الصدق مع الله أجلُّ أنواع الصدق، أما الناس فلا يقيمون وزنًا إلا لمن يطيعهم، ويوافقهم، وينحني لهم. أما الله فيجازيك لكونك أنت، لعلمك، لنواياك، ولحقيقتك التي تحاول إخفاءها لتُثبت شيئًا لأناسٍ لا يهتمون حقًا.
لن يتذكروك أصلًا، وسيتركونك يومًا ما... طوعًا أو قهرًا أو انصياعًا للموت.
أما الله فحيٌّ لا يموت.
هو الرفيق حين يغيب الرفيق، وهو الأمل حين تظن ألا انفراج.
لذا، إن كنت تطمع فيما عند الناس، فتذكّر أنه لا شيء يساوي ما عند الله.
احترامهم لك لا يجعلك مستحقًا له حقًا، لكن احترامك لشرع الرحمن يجعل المخلوقات تتفتح لأجلك.
توقف عن تسوّل الاهتمام، وتسول التصديق، وتسول الفهم وتسول الاتفاق معك.
فكلها أشياء فانية، من أناس فانون، ولا تعلم مدى صدقها من زيفها.
فلا تهدر عمرك بحثًا عمّن يؤمن بك.
آمن بالله، ثم بنفسك.
آمن أنك تستطيع وإن لم يفعل أحد.
آمن أنك تحب ما تفعل وإن لم يدعمك أحد.
أحلامك تخصك وحدك، وحياتك لك وحدك، والأمر كله يبدأ منك وإليك.
الناس مجرد مشاركين في مسرحيتك، وأنت من يقود المشهد.
فمن عاونك فعاونه، ومن صدقك فصدّقه، ومن أحبك فأحبه.
أما من تنحّى عن دعمك، فلا تلهث خلفه.
الله وحده يغنيك ويكفيك.
ومن وجد ضالته في نفسه، فما حاجته لما عند الناس؟
مشكلتك أنك لا تصدق نفسك من الأساس، غير واثق بما تملك، متذبذب، لا تعرف إمكاناتك، ولا إلى أي مدى تستطيع أن تصل. تبحث عن التوكيد في عيون الناس، لكن كثيرًا منهم لن يمنحك إياه؛ لأنهم ليسوا مضطرين، ولأنهم فشلوا في دعم أنفسهم، ولأنهم لا يؤمنون بقلوبهم أيضًا.
الجميع يعاني مع نفسه.
فرجاءً، هوِّن معاناتك، ولا تستسلم لها.
ولا تجعل إيمان الناس بك غاية. فما من شيء في هذا الكون كله اتفق عليه الجميع، ولن يكون.
فاحرص ألّا تستهلك ما تبقى من عمرك في استجداء المستحيل.
لو كان رضا الناس ممكنًا، لما تألم أحد من قبل.
فليس تكذيبهم لك نهاية العالم، وليس رفضهم لك حكمًا أبديًا بالفشل، وليس تركهم لك دليلًا على عدم استحقاقك.
هم أحرار فيما آمنوا، وأنت حر فيمن تكون.
تلك هي العدالة الحقيقية.
لا تدِن لأحد بشيء لتتوسل تقديره، فليست نظرتهم هي واقعك، بل نظرتك أنت، وما تصدقه عن نفسك، هو ما يرسم عالمك.
أنت مقدَّر حين تفعل ما يجب أن تفعل، ما هو صحيح، ما هو صادق.
ومذموم حين تتجمل، وتؤلف، وتزيف كل ما يخصك لتبدو الأفضل في أعينهم.
حينها فقط... تكون أسفلهم، ولا شيء سيقيمك.
عليك أن تثبت قيمتك لنفسك، وأن تكون جمهورك الأول.
