فى يوم اليتيم، الأيتام فى مصر القديمة حظوا برعاية اجتماعية وقانونية
كتب - د. عبد الرحيم ريحان
يوم اليتيم هو يوم وطني في مصر يحتفل به في أول جمعة من شهر أبريل منذ عام 2003 تأسس من قبل دار الأورمان أكبر مؤسسة خيرية في مصر ليصبح يومًا بارزًا يهتم به عدد كبير من الأشخاص الذين يسعون دائما في فعل الخير ورعاية الأيتام.
وانتقل الاحتفال من يوم مخصص لليتيم في مصر إلى يوم مخصص للأيتام بالعالم العربي وتم تنظيم حفل ضم 5 آلاف طفل يتيم وقفوا تحت سفح الأهرامات وقفة رمزية وهم يحملون العلم المصري دخلوا بها موسوعة جينيس للأرقام القياسية وفى عام 2006 عرضت الفكرة على مؤتمر وزراء الشؤون الاجتماعية العرب الذي قرر تأسيس يوم اليتيم العربي.
وفى ضوء هذا يشير خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية إلى اهتمام قدماء المصريين برعاية وكفالة اليتيم الذى عرف باسم «تفن» وتمتلئ المقابر والمعابد خاصة مقابر الأشراف ودير المدينة وذراع أبو النجا ومقابر ملوك وملكات مصر بالأقصر ومعابد هابو ومعابد الكرنك بنقوش ورسومات للأطفال الأيتام الذين حظوا برعاية اجتماعية وقانونية واعتبر المجتمع رعاية اليتيم واجبًا أخلاقيًا وعقائديًا ووثقت اللوحات الجنائزية حرص المصريين على إطعام وكسوة اليتيم وتولى الأقارب (كالعم أو الخال) كفالتهم بينما اعتبرت الآلهة (مثل أوزير وآمون) حامية للأيتام والأرامل.
وسادت عقيدة أن الآلهة هي "أبو اليتيم" وظهر ذلك في نصوص دينية وقصص مثل "الفلاح الفصيح" الذي خاطب الإله أوزير قائلاً: "أنت والد اليتيم" وكانت رعايتهم من الأعمال الطيبة التي تدون في المقابر لضمان "حياة أبدية"، حيث يقول النبلاء في لوحاتهم: "كنت أكسو اليتيم، وكنت أقدم له الطعام".، واعتبر حورس ابن أوزوريس يتيمًا حيث قتله عمه ست إله الشر فى إسطورة إيزيس وأوزوريس وتضمنت نقوش مقابر النبلاء و"نصوص التعاليم" (مثل تعاليم أمينموبي) وصايا مشددة بضرورة رعاية اليتيم وتجنب ظلمه ومساعدته باعتباره واجبًا دينيًا وأخلاقيًا لضمان عبور آمن إلى العالم الآخر واعتمد الأيتام (مثل جميع الأطفال) على تمائم حماية نقش عليها رموز قوية مثل "عين حورس" (وادجيت) للحماية من الشر.
ويضيف الدكتور ريحان أن المصرين القدماء حرصوا على تعليم الأيتام في مدارس ملحقة بالمعابد (مثل معبد موت بالكرنك، والرامسيوم، ودير المدينة).كما وفروا لهم الألعاب والترفيه لتخفيف ألم الفقد وحرصوا على كفالة اليتيم وفيها الوصاية أو الإيصاء والتبني وكان من المعتاد تبني الأطفال الأيتام ورعايتهم بل كان النبلاء يعاملون اليتيم كأحد أفراد الأسرة.
ولم تقتصر الرعاية على الدولة فقط بل شملت التكافل الاجتماعى حيث كان ينظر إلى مساعدة اليتيم كعمل صالح يضمن الحياة الأبدية.
وكان هناك نظام قضائى يحمى حقوق الأيتام فى الميراث والممتلكات وكان املوك يفتخرون فى نصوصهم بحماية الأيتام وتوفير العدالة لهم ضد المتجبرين
الكتاتيب
وينوه الدكتور ريحان إلى رعاية الأيتام فى مصر في العصر الإسلامي بانتشار الكتاتيب كمؤسسات تعليمية واجتماعية شاملة تولت رعاية الأيتام والفقراء وخصصت لهم أوقافًا وفرت لهم السكن والغذاء والكسوة والتعليم المجاني وانتشرت هذه الكتاتيب بجوار المساجد والمدارس والأسبلة وبدأت تتطور لتصبح دورًا متخصصة لرعاية الأيتام بتمويل من السلاطين والأمراء والمؤسسات الوقفية.
ومن أبرز ملامح رعاية الأيتام في الكتاتيب التكافل الاجتماعي عبر الوقف حيث نجد فى وثيقة الوقف في العصرين الأيوبي والمملوكي تخصيص ريع لتعليم الأيتام وكسوتهم وتوفير خبز يومي (جراية).
ومن أهم نماذج لهذه الكتاتيب كتّاب وسبيل السلطان الظاهر بيبرس بجوار مدرسته لرعاية الأيتام وكتّاب المنصور قلاوون لتعليم الأيتام وتوفير احتياجاتهم وكتّاب السيدة خوند تتر الحجازية ابنة السلطان الناصر محمد.
وكان الكتّاب مدرسة لتعليم الأيتام القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة والحساب وغرس القيم الدينية لتعويضهم عطف الأهل، وكان هناك الملعمون أو المؤدبون المختصين بصحة الأيتام ونظافتهم وكان يتم عزل الصبي المريض حتى لا يعدي زملائه وخصصت الدولة وظيفة "ناظر الأيتام" للإشراف على شؤونهم وأموالهم.
وقد أثمرت هذه الكتاتيب في تحويل الأيتام واللقطاء إلى فئة متعلمة ومنتجة مما يعكس حرص الحضارة الإسلامية على التكافل ورعاية الضعفاء.


