مطرقة الميدان وسندان السياسة في أبعاد المواجهة الراهنة
كتبت /منى منصور السيد
لا يمكن قراءة المشهد الحالي بمعزل عن المداخلات الأخيرة التي رسمت ملامح المرحلة المقبلة، حيث اختلط فيها أزيز الرصاص بضجيج التصريحات السياسية، لتكون تلك المداخلة بمثابة بيان عسكري بلسان سياسي يهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى في المنطقة. إن القراءة المتأنية في هذا السياق تكشف عن تحول جذري في إدارة الصراع، فلم يعد الأمر يقتصر على الدفاع التقليدي، بل انتقل إلى مرحلة الاستنزاف الذكي التي تعتمد على إشارات صريحة بامتلاك تقنيات قادرة على اختراق المنظومات الدفاعية للخصم، مما يعني أن التفوق النوعي لم يعد حكراً على طرف واحد، بل أصبح الردع المعنوي هو سيد الموقف من خلال إظهار هشاشة الخصم وضرب روحه المعنوية قبل أي التحام ميداني.
هذا التحول الميداني وضع حجر الأساس لأي طاولة مفاوضات قادمة، فالمناورة السياسية لم تعد تكتفي بعرض القوة، بل ربطتها بمطالب واضحة تؤكد للداخل أن التضحيات هي وقود لمشروع سياسي أكبر، وللخارج بأن أي حل يتجاوز الوقائع الجديدة على الأرض هو حل ولد ميتاً. وتأتي هذه التحركات في سياق صراع إقليمي أوسع، حيث القوة العسكرية ليست معزولة، بل هي جزء من شبكة أمان إقليمية تتبادل الأدوار لحماية أمن الطاقة وطرق التجارة العالمية، مما يضعنا أمام مشهد يتسم بالغموض الاستراتيجي الذي تطوع فيه السياسة لتبرير التحركات العسكرية.
وعند البحث عن القوة الأكثر تأثيراً في هذه المرحلة، نجد أن القدرة العسكرية التقنية تظل هي العضلة التي تحمي القرار السياسي وتمنح القدرة على توجيه ضربات جراحية تشل حركة الخصم بأقل تكلفة، لكنها تظل بحاجة إلى التحالفات الدولية التي تمثل الجهاز التنفسي للدولة وتوفر الغطاء الشرعي واللوجستي للاستدامة. فلا يمكن لأي قوة مهما بلغت أن تصمد في عزلة دولية، إذ إن التحالفات تضمن تحويل النصر الميداني إلى مكتسبات ديبلوماسية دائمة. إن التأثير الأكبر لا يأتي من أحدهما منفصلاً، بل من التناغم بينهما؛ فالقدرة التقنية تستخدم كرافعة لتحسين شروط التفاوض، بينما تعمل التحالفات كدرع يحمي المكتسبات من الضغوط الدولية. وفي نهاية المطاف، فإن الحق الذي لا تستند إليه قوة تقنية تحميه هو حق ضائع، والقوة التي لا يدعمها تحالف دولي يشرعنها هي قوة متهورة ستنتهي بالانكسار، لتبقى الكلمة العليا لمن يستطيع تحويل التفوق الميداني إلى اعتراف ديبلوماسي راسخ.
