الضمير بلا إيمان
بقلم : إيهاب سمره
يزعم بعض الناس أنه يمكن الاستغناء عن الدين والإيمان بالضمير واتخاذه أساساً ومقياساً للأخلاق بدل الدين .
وهذا ما حاوله بعض الغربيون حينما أرادوا أن يتحرروا من سلطان الكنيسة ورجال كهنوتها وتدخلهم فيما ليس شأنهم من أمور العلم المتغير والحياة المتجددة . ووقوفهم مع الأباطرة والأمراء الظلمة الجائرين . لقد ثاروا على كل ما يتصل بالكنيسة . حتى عقائدها
وأخلاقها .
ورأى القائمون على الثورة العلمانية الجديدة أن يستعيضوا عن الدين بوحي الضمير . وأن يتخذوا وحي الضمير الأساس الذي لا يخطئ ، والمقياس الذي لا ريب فيه . بالنسبة للأخلاق . ولم ينته الأمر عند هذا الحد فقد بدأ القوم يتراجعون عن تطرفهم شيئاً فشيئا
يقول الأستاذ الدكتور عبدالحليم محمود في كتابه ( الإسلام والعقل ) وحينما هدأت الأمور في الغرب وعادت الحياة إلى مجراها الطبيعي بعد الصراع العنيف بين الكنيسة والثوار الذي دام فترة طويلة من الزمن . أخذ العلماء يراجعون انفسهم ويدرسون في هدوء ودعة المبادئ التي قامت عليها الثورة المنتصرة والأهداف التي حُددت والغايات التي رسمت والقواعد التي خططت . ثم هذبوا في كل ذلك وغيروا وبدلوا وكان مما راجعوا أنفسهم فيه مسألة الضمير
ولما استعرضوا التاريخ والوقائع والمشاهدات يستنيرون بها في أمر الضمير
رأوا كما قال العالم الفرنسي اندريه كريسون أن الناس في كل العصور وفي جميع الأقطار يستشيرون ضمائرهم ولكنها لا تُسمعهم جميعاً لحناً واحداً . إذ أن مايظهر عدلاً وخيراً لبعض النفوس المخلصة في عصر خاص لا يظهر عدلاً ولا خيراً لنفوس أخرى هي أيضاً مخلصة ولكنها عاشت في عصر آخر أو مكان آخر
ولو أردنا أمثلة على ذلك فإننا سنجدها كثيرة عندما نوازن بين أحوال الضمير خلال مختلف العصور
ويضرب لنا العالم الأستاذ اندريه كريستون الأمثلة الكثيرة : ففي العصور اليونانية اللاتينية القديمة كان نظام الرق مشروعاً : إن أشرف القلوب صاحبة الضمير الحي كانت تجد من الطبيعي أن يباع الرجال والنساء والأطفال وأن يعاملوا معاملة السوائم .
وكانت القوانين الرومانية القديمة تجعل من المرأة والأطفال ملكاً للزوج كما لو كانوا أمتعة وأنعاماً : لهذا كان للأب من بين الحقوق الأخرى الحق في أن يعرض ابنته المولودة حديثاً في السوق العام إذا كانت له بنت أخرى ولسنا بحاجة إلى أن نذهب بعيداً فهاهم أسلافنا كانوا بلا أدنى قلق يشاهدون الفرد مشنوقاً من أجل اختلاس بسيط تافه
هذه الأمثلة التي ساقها العالم الفرنسي الكبير أندريه كريستون إنما هي قطرة في بحر او حبة رمل في صحراء شاسعة مما يمكن أن يبرهن به على اختلاف الضمير بحسب اختلاف الزمن او اختلاف الثقافات في البيئة الواحدة .
وهناك أمثلة لا تُحصى إذا قارنا ضمائر العرب في العصر الجاهلي بضمائرهم في العصر الحديث . أو ضمائر الوثنيين في مكة بضمائر المسلمين فيها عند نشأة الإسلام . .
والنتيجة لكل هذه المقارنات هي : أن اتخاذ الضمير كأساس للأخلاق أو كمقياس لها ، انما هو مجرد حماقة وعبث .
الضمير قوة فطرية حقاً ولكنها قوة غير معصومة لأنها تُربَّي وتُكتسب فيما يتعلق باللون الذي تتخذه وهذه القوة الفطرية تتلون بحسب ما تتغذي به من ثقافة ومن وراثة وهي تختلف في الفرد بحسب اختلاف سنه وبحسب تنقله من بيئة إلى بيئة
الضمير إذن متأرجح متقلب لا يستقر له قرار لأنه حتى لو مكث على حالة واحدة تجاه مسألة معينة فإنه في هذه الحالة النادرة يتأرجح أيضاً قوة وضعفاً واتزاناً وإسرافاً
والوضع الصحيح إذن بالنسبة لأساس الأخلاق : أن نلجأ إلى الدين نستمد منه الهداية والإرشاد فإنه وحده المعصوم
أما صلة الدين بالضمير ، فإنها صلة هيمنة وتوجيه وإرشاد وسيطرة . إنها صلة هيمنة تستمر مدى الحياة ، وإذا ما زالت هذه الهيمنة في أي فترة من فترات الحياة ، فإن الضمير يختل اتزانه وتوازنه ويتأرجح ويتذبذب ،
لأنه يحتاج باستمرار إلى القائد المربي ، وليس هذا القائد المربي إلا الدين .
