recent
أخبار ساخنة

الكاتبة مروة سيف | تكتب - حتى لو تاب إبليس

حتى لو تاب إبليس



حتى لو تاب إبليس

كتبت - مروة سيف

في عبورٍ ذهني أسميه شطحات رمضانية… شطحة ذهنية في أمرٍ أغرب من الخيال.

 تخيلتُ نفسي أستدعي شيطانًا من هؤلاء الذين يُصفَّدون في الشهر الكريم، وأجري معه حوارًا.

هيّأ لي سلامي النفسي الشديد، والذي دائمًا ما يأتي متزامنًا مع الشهر الفضيل، أنني قد أنجح في جعل إبليس يتوب.

نعم، كما قرأتم أن يتوب إبليس عن ذنبه في تحدي الله ومعصيته.

أليس الله يقبل التوبة من كل الذنوب؟

وإبليس قد استكبر وعصى.

رأيتني أحدثه عن السلام بين بني آدم وبني جنسه.

أعلم أن الأمر يبدو غريبًا، بل مستحيلًا.

ولكنني أوضحت مسبقًا أنها مجرد شطحات ذهنية.

فماذا لو تاب إبليس؟

هل سأل أحدكم هذا السؤال لنفسه من قبل؟

إبليس يعلم قدرة الله عليه، إبليس ليس ملحدًا، لا يُنكر وجود الخالق، ولا يعبد غير الله.

 إبليس عاش طائعًا لله قبل خلق آدم.

إبليس تذوّق الطاعة، وجرب لذتها، وتنعم في رحمة الله من قبل.

إبليس يُدرك ماهية الله خيرًا منا نحن البشر.

رأيتني أعرض عليه صفقة جديدة ولكن بشروطنا نحن بني آدم.

مثل تلك التي جاءت في قصة دكتور فاوستس الشهيرة ولكن مع انعكاس الأدوار وقلبها فالجديد هنا أنني أنا من أُملي شروطِي وأقدم له عرضًا مغريًا لا يمكن رفضه.

رأيتني أعرض عليه السلام مع بني جنسي، مقابل أن يتقبله الله من جديد عبدًا من عباده، ويتوب عليه، ولا يطرده من رحمته.

طبعًا هذا عرضٌ وهمي، لا أعرف عواقبه ولا نتائجه فالأمر بيد الله وحده. 

ولكنني ما زلت أؤكد أنها شطحة من صنع خيالي لا أعلم مداها.

رأيتني أقدم له العرض، ودموعي تسبقني، متأثرةً بمدى ثقتي في رحمة الله تعالى مؤكدةً له أن الله في غنى عن توبته، وأنه هو في أمسّ الحاجة إليها وأنه بالفعل يعيش حياة يائسة بائسة لا أمل فيها، ونهايتها معروفة له وللجميع.

فأقول له مبادرةً:

ما رأيك في أن تعقد معنا السلام، وتعود عن وعدك مع ربك بأنك ستحتنكن ذريتنا وتمهد لها طريق الغواية إلى يوم القيامة؟

ماذا لو استبدلتَ موتك بحياة، ومعصيتك بطاعة؟

إيماني برحمة ربي جعلني أتعشم حتى في أن يرحم الله إبليس نفسه ويتوب عليه.

أعلم أن الوعود القرآنية لا تدعم خيالاتي، وأن وعد الله حق… ولكنني أكرر أنني أنقل إليكم شطحاتي ليس أكثر مع تمام العلم والإدراك باستحالتها. ولكنه العقل البشري من المستحيل كبح جماح زمامه أو التعدي على تجلياته.

رأيت في شطحاتي إبليس يبكي من خشية الله، ويسجد ممرغًا رأسه في التراب، يعض على أنامله ندمًا وحسرة على فقدانه رحمة الله رأيته يطلب عفو الله، ومقلتاه تتحولان إلى رماد من فرط البكاء رأيته يدعو نسله للسجود وطلب العفو والاعتذار لبني آدم، الذين قضى عمره في إغوائهم فردًا فردًا.

رأيت سلامًا وحبًا بيننا وبينهم، وطاعة اجتمعنا عليها، وإلهًا واحدًا نعبده وندعوه.

رأيت الأرض تتحول إلى جنة كتلك التي طُرد منها آدم بعد إغواء إبليس له.

جنة؟

حقًا؟

هل من الممكن أن يتحقق ذلك الحلم أو بالأحرى تلك الشطحة الخزعبلية المستحيلة؟

ولكن يأتي هنا السؤال الأقوى في شطحتي تلك

هل بانتهاء العداوة بين بني إبليس وبني آدم تنتهي المعاصي والذنوب، وتصبح الأرض تلك الجنة التي في خيالي؟

هل جميع ذنوبنا نحن نسل آدم مرجعها إلى إبليس؟

هل إبليس هو كلمة السر في معاصي وفساد وجموح وفجور بني آدم؟

أجابني عقلي سريعًا، وبدون تفكير:

كلا بالطبع.

فها هي تجلس هنا، أراها على مقربة مني بل تكاد تجري في حبل وريدي مجرى الدم نفسي الأمارة بالسوء.

البطل الأقوى والأعتى في قصة فساد الأرض

النفس ما أشرها وأقواها!

كيف إلى تهذيبها من مجال؟

ونحن لم نقدر على الأضعف منها في نظري وهو إبليس.

أقولها جملة قاسية لكنها الحقيقة:

حتى لو أراد إبليس التوبة، لردعته النفس الأمارة بالسوء لدى الإنسان، ولعلمته وسائل جديدة ومبتكرة في الفجور والفسوق.

العقل البشري من أخطر العقول فقدرته في الشر بلا حدود، كما هي قدرته في الخير.

الإنسان لم يُخلق ضعيفًا في مملكته هو فقط ضعيف أمام قدرات ومقدرات الخالق، ولكنه قوي في أرضه وملعبه

قوي في الحق، وقوي في الباطل والشر.

أكاد أكتب جملة الخاتمة في شطحتي

لن ينتهي الشر في الأرض حتى لو تاب إبليس، رمز الشر في كل الأكوان.

حتى لو عاد إبليس إلى ربه وطلب العفو سيظل البشر يعصون.

فلننظر إلى أنفسنا في رمضان.

الشياطين تُصفَّد والإنسان يعصي.

الشياطين تُكبَّل والجرائم تُرتكب.

الشياطين تُسجن ويُطلق سراح شر الإنسان.

لا تظلموا إبليس معكم فحتى لو عاد هو، ما عدتم أنتم.

google-playkhamsatmostaqltradentX