لا تودعوا رمضان بل اصطحبوه في رحلة العام
كتبت : منى منصور السيد
مع اقتراب رحيل شهر الخير، تفيض القلوب بمشاعر تجمع بين الرجاء والرهبة، لكن الحقيقة الأجمل هي أن رمضان لا يُودَّع، بل يُستصحب كمنهج حياة. إن الحكمة الأسمى من الصيام ليست حصره في ثلاثين يوماً، بل هي شحن للروح لتمتد طاقته الإيمانية طوال العام، فهو دورة تدريبية مكثفة لتهذيب النفس وتطويعها على مراد الله، ومن هنا تبرز أهمية الاستمرارية لنكون "ربانيين لا رمضانيين". فالمؤمن الذي أثبت قدرته على ترك المباح من طعام وشراب امتثالاً لربه، هو أقدر يقيناً على ترك المحرمات في سائر شهوره، وفي هذا المعنى يقول إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله: "إن الله جعل الصوم ليُثبت لك أنك تستطيع أن تترك الحلال امتثالاً لأمره، فمن باب أولى أن تترك الحرام الذي نهاك عنه دائماً".
إن تحويل العبادة من موسم مؤقت إلى منهج حياة دائم يتطلب ألا تنقطع الصلة بالسماء بمجرد رحيل الشهر، بل يجب أن تتحول تلك الشعائر المكثفة إلى عادات ثابتة ولو قلَّ حجمها. فإذا كان القيام في رمضان طويلاً، فإن المحافظة عليه بعده ولو بركعتين يسيرتين قبل النوم تضمن بقاء العبد في زمرة القائمين، وكذلك الإنفاق الذي اتسع في رمضان يجب أن يبقى منه "خبيئة" شهرية ثابتة ولو بمبلغ رمزي، فالمداومة على القليل أحب إلى الله من المنقطع الكثير. وهذا الامتداد الروحي يشمل علاقتنا بالقرآن الكريم، الذي يراه الشيخ الشعراوي "منهاج حركة" وليس مجرد قراءة للمنافسة في عدد الختمات، حيث يقول: "القرآن يعطيك بقدر ما تُقبل عليه"؛ لذا فإن اصطحاب رمضان يعني ألا يُهجر المصحف، بل نلتزم ولو بصفحة واحدة يومياً بتدبر وعمل، ليكون القرآن رفيقاً ينير البصيرة ويقوّم السلوك في كل حين.
وعلاوة على ذلك، فإن أثر الصيام الحقيقي يظهر في "خلق الصائم" الذي يجب أن يصبح دستوراً أخلاقياً دائماً؛ فشعار "إني صائم" الذي كان يحجز النفس عن الغضب ورد الإساءة، هو ذاته الذي يجب أن يتجلى في سكينة وكف للأذى في تعاملنا مع الناس طوال العام. إن الهدف الأسمى ليس مجرد أداء طقوس مرتبطة بزمان، بل نيل رضا الله المستمر، وكما قال الشيخ الشعراوي: "لا تعبدوا الله ليعطي، بل اعبدوه ليرضى، فإذا رضي أدهشكم بعطائه". فمن عرف الله في ضياء رمضان، وجده في كل الشهور، ومن استقام على طاعته في زمن الفضل، هُدي إليها في سائر الأزمان.
.
