recent
أخبار ساخنة

حين تتمنى أن يتوقف بك الزمن عند مشهد الكعبة

 حين تتمنى أن يتوقف بك الزمن عند مشهد الكعبة



كتب - د. عبد الرحيم ريحان

كل النفوس تهفو إلى بيت الله الحرام خاصة في الشهر الكريم، ومن هذا المنطلق كان لنا مكرمة في معايشة أحد المعتمرين يصف لنا مشاعره بأسلوب أدبى راقى نستشعر من خلالها الرحلة المقدسة وكأننا نعيشها معه متمنيين من المولى عز وجل أن يكرمنا بزيارة بيت الله الحرام وأن نكون من عمّار بيت الله الحرام


المعتمر هو الرحّالة العالمى "الأردني الجنسية" الأستاذ عبد الرحيم العرجان يصف لنا رحلته منذ إقلاع الطائرة من الأردن


حين أقلعت الطائرة، لم يكن الصمت صمتًا؛ كان دعاءً هامسًا وكانت العيون تترجم الشوق دمعًا خفيًا. وما إن أُعلن الميقات، حتى تجردنا من زينة الدنيا، ولبسنا بياض القصد  وصفاء النيه، وأحرمنا كما يُحرم القلب حين يعزم الرجوع إلى ربه، ومنذ تلك اللحظة لم نعد مسافرين… بل عائدين.



دخلنا المسجد الحرام، واستقبلتنا الكعبة المشرفة بهيبتها التي تُسكت الضجيج في الداخل قبل الخارج. هناك، لا تكون الدموع ضعفًا، بل يقينًا. دمعةٌ تسقط وأنت واقف بين يدي الله، يذوب في حرّها ما تراكم في صدرك من أعباء، وأخرى تنحدر حين تسمع لغات الأرض كلّها ترتفع بنداءٍ واحد: يا رب.


بلغاتٌ شتى، وأصواتٌ متباينة هذا يسأله الستر، وتلك ترجوه الشفاء، وآخر يناجيه بفرجٍ لقلبٍ طال انتظاره. تكتشف أن الوجع واحد، وإن اختلفت الحكايات، وأن الرجاء في بيت أرحم الراحمين أوسع من كل ألم، بلا حواجز، بلا فوارق، بلا أسماء.


وفي السعي بين الصفا والمروة، تستحضر قصة أمٍ تركض بقلبها قبل قدميها؛ هاجر عليها السلام، حين ضاقت بها الأرض بما رحبت، فوسّع الله لها السماء عطاءً. سبع مراتٍ من القلق تحولت يقينًا، ومن لهفةٍ خرجت زمزم؛ ماءٌ لم يكن مجرد نجاةٍ لطفل، بل حياةً لأممٍ إلى يوم الدين.



تمضي المناسك، ويتخفف القلب كما يتخفف الجسد من إحرامه. ومع كل أذان فجر، وكل طواف تطوع، وكل سجدةٍ في جوف الليل، تشعر أنك تولد من جديد؛ أخفّ مما كنت وأصدق مما كنت، وأقرب مما كنت. تهدي عمرةً لمن تحب وتهمس بأسماءٍ لا يغيب أصحابها عن دعائك، وتؤمن أن الكريم يضاعف، وأن البلد الأمين لا يردّ قاصدًا أخلص المسير.


ومن نافذة غرفتك، حين تطل على بيت الله، تدرك أن الفراق هو الامتحان الأصعب. تتمنى لو يتوقف الزمن عند مشهد الكعبة، عند طمأنينة الفجر، عند لحظةٍ بينك وبين ربك لا يشاركك فيها أحد. فلا تغادر إلا لجسدٍ له حق الراحة، أو لقوتٍ يعينك على قيام ليلةٍ أخرى.


هي ليست رحلة طريق، بل رحلة عودة.

ليست انتقالًا في الجغرافيا، بل ارتقاء في الداخل.

هناك، تعلّمت أن أجمل المسارات ما كان خالصًا لبيت الله الحرام،

وأن الطريق إليه يبدأ من قلبٍ صادق… وينتهي بقلبٍ جديد.

وأن هناك من يرقب عملك ويأتي التقدير دون طلب أو منه.

google-playkhamsatmostaqltradentX