recent
أخبار ساخنة

الكاتب عماد الدين محمد | يكتب - حين يُكافأ الكذب ويُعاقَب الصدق

حين يُكافأ الكذب ويُعاقَب الصدق



بقلم الكاتب : عماد الدين محمد 

في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، لم يعد الكذب استثناءً يُدان، بل صار مهارةً يُصفَّق لها، وأضحى الخداع وسيلةً مشروعة للنجاة، بينما غدا الصدق عبئًا ثقيلًا على صاحبه يُحاسَب عليه أكثر مما يُكافأ. 


نعيش عصرًا تُقلَب فيه الموازين، فيُصدَّق الكذّاب لأنه يُحسن التمثيل، ويُعذَّب الصادق لأنه يفتقر إلى الأقنعة.

لم يعد النفاق مجرد سلوك فردي، بل تحوّل إلى ثقافة عامة، تُمارَس بوعيٍ كامل، وتُبرَّر بحجج شتى: 

الظروف، المصلحة، الواقعية . 

يُدافع الناس عن الباطل لا لأنهم يجهلون حقيقته، بل لأن الاعتراف بالحق يفرض عليهم ثمنًا لا يريدون دفعه.

وهكذا يصبح الصمت شراكة، والتبرير خيانة، والمجاملة جريمة أخلاقية مغلّفة باللباقة.

في هذا المشهد المربك، يُسلَّط الضوء على من يجيد تزوير الواقع، وتُفتح له المنابر، بينما يُقصى من يقول الحقيقة لأنه مزعج، أو مثالي أكثر من اللازم ، أو لا يفهم قواعد اللعبة.

 تُشوَّه سمعة الصادق، وتُفتَّش نواياه، ويُطالَب دائمًا بإثبات براءته، في حين يُمنح الكاذب حصانة غير معلنة ما دام يخدم السردية السائدة.

الأخطر من الكذب نفسه هو تصديقه طوعًا، حين يفضّل الناس الوهم المريح على الحقيقة المؤلمة، وحين يتحول الدفاع عن الباطل إلى موقف جماعي، لا بدافع الاقتناع بل خوفًا من العزلة أو الخسارة.


عندها لا يضيع الحق فجأة، بل يتآكل ببطء، حتى يصبح غريبًا في موطنه، ويحتاج من يدافع عنه إلى شجاعة استثنائية.

ضياع الحق لا يعني غياب الحقيقة، بل غياب من يجرؤ على قولها.

فالحق لا يموت، لكنه يُحبس، يُشوَّه، ويُدفن تحت ركام التزييف، إلى أن يأتي زمن آخر، أو ضمير حي، يعيد له صوته.

وحتى يحين ذلك، يظل الصادق وحيدًا، يدفع ثمن وضوحه، لكنه رغم كل شيء يظل الطرف الوحيد الذي لم يخسر نفسه.

google-playkhamsatmostaqltradentX