الكفّ عن نشر الفضائح … مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قانونية
الكفّ عن نشر الفضائح … مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قانونية
بقلم الكاتب : عماد الدين محمد
في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة أسرع من الضوء، والصورة تنتشر في ثوانٍ عبر منصات التواصل الاجتماعي، تحوّل البعض إلى قاضٍ وجلادٍ في آنٍ واحد؛ يُصدر الأحكام ويُشهّر بالناس دون تثبّت أو رحمة.
ومع تصاعد تأثير وسائل التواصل، بات نشر الفضائح والتدخل في الحياة الخاصة، وبثّ الشائعات، ظاهرةً تُهدّد استقرار الأفراد والمجتمع على حدٍّ سواء.
- الخصوصية حقٌّ لا يُمسّ
الحياة الخاصة ليست مادةً للترفيه، ولا ساحةً لتصفية الحسابات، بل هي حقٌّ أصيل كفلته القوانين والأعراف والدساتير.
إنّ التدخل في شؤون الآخرين، وتتبع عثراتهم، وتضخيم أخطائهم إن وُجدت يُعدّ انتهاكًا صريحًا للكرامة الإنسانية.
فالإنسان ليس خبرًا عاجلًا، ولا ترندًا يُستثمر في عدد المشاهدات.
- الشائعة… نار تبدأ بكلمة
كم من بيوتٍ هُدمت، وسمعةٍ تضررت، ونفوسٍ أُرهقت بسبب شائعة لا أساس لها من الصحة.
فالكلمة غير المسؤولة قد تتحوّل إلى سلاحٍ معنوي فتاك.
والأخطر أن كثيرين يشاركون الأخبار دون تحرٍّ أو تدقيق مكتفين بعبارات مثل: وصلني أو بيقولوا.
وهنا تكمن الكارثة إذ يتحول المجتمع إلى غرفة صدى تُعيد ترديد الأكاذيب حتى تصبح لدى البعض حقيقة مسلّمًا بها.
- بين حرية التعبير والفوضى
حرية التعبير حقٌّ مكفول، لكنها لا تعني الفوضى
أو التعدّي على الآخرين.
فهناك فرقٌ شاسع بين النقد البنّاء القائم على الأدلة وكشف الفساد بما يخدم الصالح العام، وبين التشهير ونشر الأسرار والتلصص على الحياة الخاصة.
الإعلام المسؤول لا يلهث خلف الإثارة، بل يلتزم المهنية والموضوعية، ويحترم القيم الإنسانية.
- الأثر النفسي والاجتماعي
التشهير لا يُدمّر الفرد وحده، بل يُزعزع الثقة داخل المجتمع.
فعندما يخشى الناس أن تتحول حياتهم الخاصة إلى مادة للنشر، تتآكل الروابط الإنسانية، ويحلّ محلّها الشك والخوف.
كما أن ضحايا الشائعات قد يعانون من ضغوط نفسية حادة، واكتئاب، وعزلة اجتماعية، وربما ما هو أخطر من ذلك.
- مسؤوليتنا جميعًا
المواجهة لا تكون بالقوانين وحدها رغم أهميتها بل تبدأ من ضمير الفرد. قبل أن نضغط زر مشاركة ، لنسأل أنفسنا:
هل هذا الخبر صحيح وموثوق؟
هل في نشره مصلحة عامة حقيقية؟
هل أقبل أن يُنشر عني أو عن أسرتي ما أنشره عن غيري؟
إن المجتمع الراقي لا يُبنى على تتبع العورات، بل على الستر، ولا يتماسك بالشائعات، بل بالصدق.
فلنُحسن استخدام الكلمة؛ فهي أمانة.
ولنتذكر أن ما نزرعه اليوم في فضاء التواصل، سنحصده غدًا واقعًا نعيشه.

