نحن والحياة (٢) ملاحظة مسلكية مجتمعية
بقلم: عاصم القناوي
تحدثنا في المقال السابق عن جانبٍ من المشهد الخاص أي الشخصي، للطرفين في واقعة اختطاف أحد الشباب بإحدى قرى مدينة قريبة من عاصمتنا العامرة، مدينة الأزهر الشريف، مدينة الألف مئذنة، وما حدث بها من تداعيات.
وكما أشرنا، فإن العلم العام الذي تحقق بما ذاع عنها يُغني عن سردها وإعادة ترديدها، كفًّا لنشر وإذاعة السوء.
ومن المهم في هذه الواقعة ألّا يتم اجتزاؤها من عموم المشهد العام بالمجتمع حاليًا، وإلّا كنا نُغمض أعيننا عن الحال الواقعي الذي آل إليه المجتمع المصري في هذه الأيام الصعبة، والذي نراه ليس في أفضل حالاته.
فنحن نقرأه أولًا كما تستوجب القراءة في علمَي الأخلاق والاجتماع، وإن شئت فاربط ذلك بسائر فروع العلوم الاجتماعية والدينية والقانونية.
وبيان ذلك في أمرها الأول: أن الواقعة وليدة قريةٍ يعرف الناس فيها بعضهم بعضًا، ويترابطون لدرجة أنه ربما يكون الجميع إمّا مرتبطين بقرابة الدم، أو المصاهرة
أو الجيرة. فكيف تجرّأت نفس ذلك الذكر وتلك الأنثى على فعل ما فعلا رغمًا عن إرادة الأهل؟ ثم تقوم أخته بمساندتهما واستضافتهما ببيتها لمدة ثلاثة أيام كاملة دون مراعاةٍ للأخلاق والتقاليد العامة، وحتى دون تقديرٍ لأثر هذا الفعل على الأسرتين، وعلاقاتهما الاجتماعية والاقتصادية والدينية والأخلاقية مع باقي مجتمع القرية التي يقيمون بها.
أما الأمر الثاني: فهو شعور أهل الفتاة بالخزي والقهر، وإطلاقهم العنان لأنفسهم تجاه هذا الذكر، إلى حد أنهم رأوا أنهم أصحاب حق، وأنهم قادرون على الاقتصاص لأنفسهم من الجاني. فأمسكوا به أيًّا كانت وسيلتهم لذلك وعلنًا، بأحد الميادين العامة بالمكان، فعلوا به ما فعلوا؛ فقيدوه، وخلعوا عنه ملابسه، وتلك جريمة جنائية وأعقبوها بإلباسه زيًّا نسائيًا فاضحًا، وتلك جريمة جنائية أخرى يعاقب عليهما القانون، دون احترامٍ للدين والأخلاق، ولا خشيةٍ من أهله أو المواطنين أو مسؤولي الأمن بالقرية.
والأدهى من ذلك، قيامهم بتصوير هذه الجرائم لتشهد هواتفهم عليهم بارتكاب هذا التدني البغيض جهارًا نهارًا، وعلى أعين جميع الناس.
والأمر الثالث في هذا الصدد: أن هذه الجريمة قد تمت وسط جمعٍ من الأهالي، يتجمهرون ليس لمنع أو وقف هذه المهزلة التي تدفع العقلاء إلى القيء بغضًا لما يحدث
بل – وللأسف – يتجمهرون وكأنهم فرِحون بهذه الجريمة الأخلاقية والدينية والقانونية التي تحدث بحضورهم.
وكثيرٌ منهم يسجلون هذا المشهد القميء بالتصوير ولعلهم وبعض الظن من حسن الفِطن، وهو ظاهر الأمر قد خلعوا رداء الحياء والأدب والأخلاق، ولم يبادروا لمساعدة هذا الوحيد، حتى ولو كان مخطئًا، أو حتى إلى إبلاغ رجال الأمن والضبط بالواقعة، ليتخذوا الإجراءات القانونية لحماية المجتمع من هذا الفساد والإجرام.
وللحديث بقية، إن شاء الله تعالى.
