جولة بمتحف الآثار بمكتبة الإسكندرية مع عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير
كتب - د.عبد الرحيم ريحان
يمثل الاهتمام بالمتاحف الأثرية أحد أهم أدوات بناء الوعي الحضاري في المجتمعات الحديثة، حيث لم تعد المتاحف مجرد أماكن لحفظ القطع التاريخية، بل أصبحت مؤسسات ثقافية وتعليمية تسهم في صياغة علاقة الإنسان بماضيه وتساعده على فهم حاضره واستشراف مستقبله. وفي هذا السياق يأتي دور مكتبة الإسكندرية وما تضمه من مؤسسات ثقافية، وعلى رأسها متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، الذي يُعد نموذجًا متقدمًا لمتحف معاصر يجمع بين حفظ التراث ونشر المعرفة.
ومن هذا المنطلق انطلقت حملة الدفاع عن الحضارة برئاسة الدكتور عبد الرحيم ريحان في جولة سياحية مع عالم المصريات والأديب الشهير محليًا وإقليميًا ودوليًا مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية لترصد بالصور كل معالم المتحف
وأوضح الدكتور حسين عبد البصير لحملة الدفاع عن الحضارة أن أهمية متحف الآثار في أنه لا يقتصر على عرض القطع الأثرية، بل يعمل على إعادة بناء القصة الحضارية للإنسان المصري عبر الزمن داخل إطار معرفي متكامل. فالزائر لا يرى الأثر منفصلًا عن بيئته التاريخية، بل يشاهده ضمن سياقه الحضاري الذي يوضح كيف عاش الإنسان المصري وتفاعل مع محيطه عبر العصور المختلفة. ومن خلال هذا العرض السياقي تتحول القطعة الأثرية إلى وثيقة تاريخية حية تروي جانبًا من تطور المجتمع المصري في مجالات الاقتصاد والدين والفن والعلم.
ويلعب المتحف دورًا مهمًا في تعزيز الهوية الثقافية لدى الأجيال الجديدة، خاصة في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها العالم المعاصر. فالشباب والأطفال قد يبتعدون عن المعرفة المباشرة بتاريخهم، لذلك يعمل المتحف على تقديم التاريخ في صورة جذابة ومبسطة من خلال البرامج التعليمية والأنشطة التفاعلية التي تساعد على ترسيخ الشعور بالانتماء الحضاري وربط الماضي بالحاضر.
وأضاف الدكتور حسين عبد البصير مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية بأن المتحف يتميز بقدرته على الجمع بين العرض المتحفي التقليدي والتقنيات الحديثة، حيث أصبحت الوسائط الرقمية والتفاعلية جزءًا من التجربة الثقافية داخل المتحف، مما يتيح للزائر التعرف على تفاصيل القطع الأثرية وسياقها التاريخي ووظيفتها الحضارية بطريقة أكثر عمقًا وتفاعلًا.
كما يمتاز المتحف بتنوع مقتنياته التي تمثل مختلف مراحل الحضارة المصرية، بما يعكس فكرة الاستمرارية الحضارية للتاريخ المصري، حيث لم تتشكل الحضارة المصرية في مرحلة واحدة، بل قامت على التراكم والتفاعل بين العصور المختلفة، وهو ما يظهر في المعروضات التي تبرز تطور الفكر والفن والصناعة عبر الزمن.
وفيما يخص القسم الإسلامي داخل المتحف، فإنه يقدم صورة مميزة عن الإبداع الفني في مصر خلال العصور الإسلامية، ويضم مجموعة من النماذج الفنية مثل المنسوجات المصرية التي اشتهرت بدقة صناعتها وزخارفها الرمزية، إضافة إلى المشربيات والنوافذ الجصية التي تعكس فهم الفنان المصري لعلاقة الضوء بالفضاء المعماري والخصوصية الاجتماعية، إلى جانب نماذج من الأعمال الخشبية والفخارية التي توضح تطور الحرف التقليدية.
ويؤكد المتحف أن الأثر الأثري ليس مجرد مادة صامتة، بل هو شاهد على التاريخ الاجتماعي والفكري للإنسان، حيث تفتح دراسة الآثار نافذة لفهم علاقة الإنسان بالسلطة والدين والاقتصاد والجمال، ولذلك يمثل المتحف بيئة مهمة لدعم البحث العلمي وتشجيع الدراسات التاريخية والأثرية.
ونوه الدكتور حسين عبد البصير إلى أن الخطط المستقبلية للمتحف تركز على تعزيز الدور التعليمي والثقافي للمؤسسة، عبر تطوير البرامج الموجهة للأطفال والشباب، وإدخال تقنيات الواقع المعزز لإعادة بناء المشهد التاريخي أمام الزائر بصريًا ومعرفيًا، بحيث يمكنه رؤية الأثر في سياقه الأصلي وفهم وظيفته الحضارية بشكل أعمق وأكثر تفاعلية.
كما يسعى المتحف إلى توسيع التعاون الثقافي الدولي من خلال تنظيم معارض مشتركة وتبادل الخبرات والقطع الأثرية مع المؤسسات المتحفية العالمية، الأمر الذي يساهم في تعزيز الحضور الثقافي المصري على المستوى الدولي، ويتيح فرصًا جديدة للحوار الحضاري بين الشعوب.
وفي الختام، يمكن القول إن المتحف ليس مجرد مكان لعرض الماضي، بل هو مشروع ثقافي متكامل يربط بين الذاكرة والهوية والمعرفة، حيث تتحول المتاحف الحديثة إلى فضاءات للحوار الحضاري بين الإنسان وتاريخه، ويصبح التراث قوة ثقافية فاعلة تسهم في بناء المستقبل وصياغة وعي إنساني أكثر عمقًا.
ويرسل عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير رسالة عبر حملة الدفاع عن الحضارة إلى جمهور المتاحف ومحبي التراث:
التراث المصري ليس مجرد آثار محفوظة في المتحف، بل هو روح حضارية ممتدة عبر الزمن، وزيارة المتحف ليست مشاهدة للماضي فحسب، بل مشاركة في فهم قصة الحضارة المصرية واستلهام قيمها الإنسانية والجمالية والمعرفية للأجيال القادمة.


