لحظات مسروقة
لحظات مسروقة
قصة قصيرة
بقلم الكاتب : عماد الدين محمد
في حياة كلٍّ منا لحظاتٌ مسروقة، نختلسها من بين حطام الزمن، بعيدًا عن سطوة القدر، وهروبًا من واقعٍ لم نرغب فيه، وربما عجزنا عن تغييره.
فلا نجد أمامنا سوى أن نسرق الحلم، ونستعير السعادة ونرسم وطنًا من خيال، نسكنه، ونمنحه هوية من نودّ أن نعيش معهم.
لكننا سرعان ما نعود إلى الواقع، محمّلين بأوجاعه وهمومه، وأحزانه، ودموعه. وما إن تتهيأ لنا الفرصة حتى نسرق من جديد، ونحيا من جديد في لحظاتٍ مسروقة.
دامت حياتي على هذا النحو. حاولت أن أغيّر واقعي، وأن أكفّ عن السرقة، لكنني لم أستطع ، فكلما حاولنا أن نغيّر أقدارنا ونتشبّث بالحلم، تشبّث بنا القدر أكثر وأكثر.
مرّ العمر، وشاب الرأس، ولم أعد قادرًا على تسلّق جدران القدر، ولا على الهروب لسرقة سعادتي بعيدًا عن واقعٍ رفضته طويلًا.
سنواتٌ مضت، وما زلت هاربًا من الواقع، ومن الماضي
كلما أعلنت العصيان، شدّ السجّان قيوده أكثر
كنت أتحمّل، وأنتظر الفرصة في كل حين، لأدخل إلى حلمي، وأعيش تلك اللحظات المسروقة حتى جاء اليوم وسقط الجدار نعم، سقط الجدار ،تحطّمت الصورة وخرجت، ولم يعد عليّ أن أحلم، أو أن أسرق السعادة
بعد الآن.
كلّ شيء بات واضحًا. ومع مرور الوقت، اكتشفت ما كان يكمن خلف الجدار: تلك الحياة التي حلمت بها لم تكن سوى وهم؛ صورة طبق الأصل من الواقع، ومن الماضي
لا تختلف عنه إلا في الغلاف، وفي الألوان، وفي تلك الأضواء التي تُبهر الجميع، بلا فرقٍ بينهم.
نحن من صنعنا حلمهم، ونحن من منحناهم تلك الصورة التي بدوا عليها. وما إن سقط الجدار، وسقطت الأقنعة حتى اتّضح كل شيء.
فالأبيض لا يختلف كثيرًا عن الأسود؛ حين تظهر في الدائرة البيضاء نقطة سوداء، تكبر مع الوقت حتى تحتويها وتغدو سوداء.
وحين تظهر في الدائرة السوداء نقطة بيضاء، تكبر حتى تحتويها وتصبح بيضاء.
هكذا بعض البشر صنعنا لهم صورة، وجعلناهم حلمًا وسعادة، ومستقبلًا.
وما إن سقط جدارهم، وسقطت أقنعتهم، وظهروا على حقيقتهم، أدركنا أنه لا فرق بينهم وبين الماضي، ولا بين الواقع والحلم؛ كلاهما متشابهان، لكن في غلافٍ مختلف.
يكفيني ما مضى من عمري وأنا حائر، أعيش أيامي لحظاتٍ مسروقة، حتى أيقنت أن الاختلاف لم يكن يومًا في الواقع ولا في الحلم، بل في أعيننا نحن. أدركت أن الهروب لا يصنع خلاصًا، وأن الألوان الزائفة لا تغيّر الحقيقة، وأن أكثر اللحظات صدقًا ليست تلك التي نسرقها، بل تلك التي نواجهها كما هي بلا أقنعة، وبلا جدران.

