محطة المترو تتحول إلى مسرح: بهجة رمضانية تفاجئ الركاب
محمد أبو سيف
لم تكن الفعالية الفنية التي شهدتها محطة مترو جمال عبد الناصر مجرد عرضًا عابرًا، بل قدّمت إجابة عملية على سؤال طالما طُرح: إلى أي مدى ينبغي أن تقترب الثقافة من تفاصيل الحياة اليومية؟ فقد تحوّل وقت الانتظار الروتيني إلى مساحة جمالية نابضة، عندما فوجئ الركاب بعرض فني حي لرواة السيرة الهلالية نظمته وزارة الثقافة احتفالاً بشهر رمضان، فاستبدلت ضوضاء العبور السريع بأصوات الغناء الجماعي، وتبدّل استعجال الخطوات إلى لحظات إنصات وتفاعل وابتسام. هذا التحول المفاجئ كشف كيف يمكن للفن، حين يخرج من قاعاته المغلقة، أن يلامس الناس مباشرة في أماكن حركتهم اليومية، دون حواجز أو تكلف.
وأجمع كثير من الحاضرين على أن اقتراب الثقافة من المجال العام لا ينتقص من قيمتها، بل يوسّع أثرها. فإدخال الفنون إلى الفضاءات المفتوحة — مثل محطات المترو — يمنح جمهورًا متنوعًا فرصة تلقائية للتذوق والمشاركة، ويكسر فكرة أن النشاط الثقافي حكر على النخبة أو على من يملك الوقت والقدرة على ارتياد المسارح. وقد أثارت التجربة نقاشًا حيًا بين الركاب حول ضرورة تكرار مثل هذه المبادرات، بوصفها وسيلة لإتاحة الفن، وتحويل الثقافة من حدث موسمي إلى حضور يومي مرافق للحياة.
وقال عدد من الركاب إن المفاجأة الثقافية كسرت رتابة يومهم المعتاد. وأوضح أحدهم: "لم أتوقع أن أسمع السيرة الهلالية في محطة المترو، لكنها لحظة جميلة أعادتني إلى أجواء الحكايات القديمة التي كنا نسمعها في رمضان". بينما عبّرت إحدى الراكبات عن إعجابها بالفكرة قائلة: "الفن عندما يذهب إلى الناس في أماكنهم اليومية يصبح أكثر قربًا وتأثيرًا".
العرض الذي تم برعاية وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي، ونظّمته الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة اللواء خالد اللبان، جاء في إطار مبادرة تهدف إلي دمج الفنون في الفضاءات العامة وتعزيز حضورها في تفاصيل الحياة اليومية، بما يسهم في توسيع قاعدة الجمهور المتلقي وزيادة وعيهم بالتراث الثقافي المصري.
و أظهر أن المحتوى الفني الجاد يمكن أن يتكيّف مع المكان العام دون أن يفقد عمقه أو رسالته. بل إن التفاعل المباشر مع الجمهور أضفى عليه طاقة إضافية، وفتح بابًا لتجربة جمالية مشتركة بين أشخاص لم تجمعهم معرفة سابقة سوى ظرف المكان.
الجدير بالذكر أنه من المقرر أن يستضيف المجلس الأعلى للثقافة، بالتعاون مع الهيئة العامة لقصور الثقافة، سهرة فنية خاصة لمحبي السيرة الهلالية تحت عنوان "بعد المديح في المكمل ـ في محبة السيرة الهلالية"، وذلك في تمام الساعة الثامنة مساء يومي 24 و25 فبراير في إطار جهود وزارة الثقافة المصرية لإحياء التراث الشعبي وتعزيز الوعي بالتراث الثقافي غير المادي، وتشجيع الحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال القادمة، وسوف تكون الدعوة عامة ومفتوحة للجمهور.



