مجمع الأسرار ومشرق الأنوار تجليات النور في ليلة النصف من شعبان
كتبت / منى منصور السيد
الحمد لله الذي جعل في الدهر نفحات، وفتح للعارفين أبواب المشاهدات، وصلى الله على نبراس القلوب ووسيلة المحبين إلى علام الغيوب، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أهل الولاية واليقين.
تطل علينا ليلة النصف من شعبان كعروسٍ تجلى عليها الحق بجماله، ليلةٌ لا تشبه الليالي، فهي عند أهل التصوف "ليلة البراءة" و"ليلة الصك"، فيها تُسقى بذور التقوى التي غُرست في رجب، لتثمر يانعة في رمضان. ويرى كثير من أهل التفسير والإشارة أن هذه الليلة لها حظ وافر من البركة والذكر الحكيم، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الدخان: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. وعلى الرغم من أن جمهور المفسرين ذهبوا إلى أنها ليلة القدر، إلا أن طائفة من العارفين ذهبوا إلى أنها ليلة النصف من شعبان؛ حيث تُبرم فيها الأرزاق والآجال، وتنتقل من اللوح المحفوظ إلى الملائكة الموكلين، فهي ليلة الاستنساخ والتهيؤ للقاء الأعظم في شهر الصيام.
ولم يتركنا الحبيب المصطفى ﷺ دون هدى في هذه الليلة، بل أرشدنا إلى فيضها العميم، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن». وهنا تكمن اللطيفة الصوفية؛ فالمغفرة معلقة بسلامة القلب، وهي دعوة للتخلي عن "الأنا" وعن الضغينة، ليتسنى للروح التحلي بأنوار التجلي الإلهي، فالحق سبحانه لا ينظر إلى صورنا، بل إلى محل نظره وهو القلب، فإذا وجده طاهراً من الشحناء، ملأه بسكينة الرضا.
وفي مدرسة الحب الإلهي، تُعتبر هذه الليلة ميقاتاً لغسيل الأرواح، يصفها العارفون بأنها الليلة التي يُحول الله فيها قبلة القلوب من الالتفات إلى الخلق إلى الإقبال على الحق، تماماً كما تحولت فيها القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة استجابةً لمراد الحبيب ﷺ كما في قوله تعالى: قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا. فكل منكسر القلب يجد في هذه الليلة باب الجبر مفتوحاً، فهي ليلة عتق الرقاب التي يغفر الله فيها لأكثر من عدد شعر غنم "كلب"، دلالة على سعة الرحمة وشمولها لكل قاصد ومحب.
ولا يُنال هذا الفيض إلا بالتعرض له، لذا كان الصالحون يحيون ليلها بالذكر، ونهارها بالصيام، سائرين على نهج الحبيب ﷺ الذي كان يكثر الصيام في شعبان، قائلاً: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم». فاجعل ليلتك هذه خلوةً مع المحبوب، وجرّد قلبك من خصومات الدنيا، وقف على باب العطاء وقوف المستسلم لنفحات الله، وناجِ ربك بالدعاء المأثور عن السلف الصالح:
"اللَّهُمَّ يَا ذَا الْمَنِّ وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا ذَا الطَّوْلِ وَالْإِنْعَامِ. لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ظَهْرَ اللَّاجِئينَ، وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ، وَأَمَانَ الْخَائِفِينَ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا أَوْ مَحْرُومًا أَوْ مَطْرُودًا أَوْ مُقَتَّرًا عَلَيَّ فِي الرِّزْقِ، فَامْحُ اللَّهُمَّ بِفَضْلِكَ شَقَاوَتِي وَحِرْمَانِي وَطَرْدِي وَإِقْتَارَ رِزْقِي، وَأَثْبِتْنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ سَعِيدًا مَرْزُوقًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرَاتِ، فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ فِي كِتَابِكَ الْمُنَزَّلِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ الْمُرْسَلِ: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ. إِلَهِي بِالتَّجَلِّي الْأَعْظَمِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ الْمُكَرَّمِ، الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وَيُبْرَمُ، أَنْ تَكْشِفَ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا نَعْلَمُ وَمَا لَا نَعْلَمُ وَمَا أَنْتَ بِهِ أَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ."
