recent
أخبار ساخنة

اعتزاز الشعوب بهويتها ولغتها وعاداتها ومساوئ إدخال لغة أخرى على الحياة اليومية والإعلام

 اعتزاز الشعوب بهويتها ولغتها وعاداتها ومساوئ إدخال لغة أخرى على الحياة اليومية والإعلام



اعتزاز الشعوب بهويتها ولغتها وعاداتها

بقلم : عماد الدين محمد

 

في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة العولمة وتتقارب فيه المسافات بفضل التكنولوجيا، باتت الهُوية الوطنية والثقافية للشعوب مهددة بالتآكل التدريجي تحت وطأة التأثيرات الخارجية، وفي مقدمتها طغيان اللغات الأجنبية على مفاصل الحياة اليومية، خاصة في مجالات الإعلام والبرامج والمنصات الرقمية.


إن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي وعاء الفكر ومستودع التاريخ، وجسر العادات والتقاليد الذي يربط الماضي بالحاضر، ويحمل ملامح الأمة إلى المستقبل. 

فاللغة تُجسّد رؤية الشعوب للعالم، وتُعبّر عن منظومة القيم التي نشأت عليها، وتُعدّ أحد أهم أعمدة الهوية الوطنية التي تميّز أمة عن أخرى.


ولا شك أن اعتزاز الشعوب بلغتها الأم يمثل اعتزازًا بوجودها الحضاري والإنساني، إذ أن الحفاظ على اللغة هو حفاظ على الإرث الثقافي، وعلى منظومة العادات والتقاليد التي تشكّل الشخصية الجمعية. وعندما تتخلى الشعوب طواعيةً أو قسرًا عن لغتها لصالح لغةٍ دخيلة فإنها تفتح الباب أمام تغيّر أنماط التفكير والسلوك وربما أمام ذوبان تدريجي في ثقافات أخرى لا تعبّر عن خصوصيتها.


لقد بات من الملاحظ في السنوات الأخيرة انتشار استخدام مفردات أجنبية في الحديث اليومي، حتى بين أفراد المجتمع الواحد، فضلًا عن تغلغل هذه الظاهرة في وسائل الإعلام، حيث تُقدَّم البرامج بمزيج لغوي هجين يفتقر إلى الهوية والانتماء. كما أن بعض القنوات والمنصات الإعلامية تسعى إلى "تجميل" خطابها باستخدام ألفاظ أجنبية بدعوى الحداثة أو مواكبة العصر، في حين أن ذلك قد يُسهم في إضعاف اللغة الوطنية وإفقادها مكانتها في الوعي العام.



ومن مساوئ إدخال لغة أخرى على نطاق واسع في الإعلام والحياة اليومية:

تشويه البنية اللغوية لدى الأجيال الناشئة، مما يؤدي إلى ضعف القدرة على التعبير السليم بلغتهم الأم.

فقدان الارتباط الثقافي بالعادات والتقاليد التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا باللغة الأصلية.

خلق فجوة اجتماعية بين فئات المجتمع، خاصة بين من يتقنون اللغة الأجنبية ومن لا يتقنونها.

إضعاف الانتماء الوطني نتيجة تغليب ثقافة وافدة على حساب الثقافة المحلية.

تشجيع التبعية الثقافية بدلًا من دعم الاستقلال الفكري والحضاري.

ولا يعني هذا الدعوة إلى الانغلاق أو رفض تعلّم اللغات الأجنبية، فهي بلا شك أدوات مهمة للانفتاح على العالم واكتساب العلوم والمعارف، ولكن الخطر يكمن في إحلالها محل اللغة الأم في الخطاب الإعلامي والحياة اليومية، بحيث تصبح اللغة الوطنية غريبة في وطنها.


إن الحفاظ على الهوية اللغوية يتطلب وعيًا مجتمعيًا وإعلاميًا بأهمية اللغة الأم، والعمل على تعزيز حضورها في وسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية، والبرامج الثقافية، مع تقديم محتوى راقٍ يعكس جمالها ومرونتها وقدرتها على مواكبة العصر دون الحاجة إلى استبدالها

 أو تهميشها.


وفي الختام، فإن الأمم التي تحافظ على لغتها تحافظ على كيانها، وتبقى قادرة على مواجهة التحديات الثقافية والفكرية بثقةٍ وثبات، أما التي تفرّط في لغتها فإنها تفرّط – دون أن تدري – في أحد أهم مقومات بقائها وهويتها.


وإنني أطلب الجهات المسؤولة عن الإعلام والثقافة ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بالتمسك باللغة العربية.

في ظل ما يشهده عالمنا اليوم من انفتاحٍ إعلامي وثقافي واسع، وتزايد الاعتماد على اللغات الأجنبية في الخطاب الإعلامي والبرامجي ومنصات التواصل الاجتماعي، بات لزامًا علينا أن نُدق ناقوس الخطر بشأن ما تتعرض له لغتنا العربية من تهميشٍ تدريجي في حياتنا اليومية، وفي وسائل التأثير الجماهيري التي تُشكّل وعي الأجيال وتصوغ مفاهيمهم.


إن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل هي هوية أمة، ومرآة ثقافة، ووعاء حضارةٍ امتدت جذورها عبر قرون طويلة، حملت في طياتها قيمنا، وعاداتنا وتقاليدنا، ومفاهيمنا الإنسانية والوطنية. ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ عليها مسؤولية وطنية وثقافية تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية والثقافية، وعلى كل منصةٍ تُخاطب الجمهور بمختلف فئاته.



وعليه، فإننا نناشد الجهات المعنية بالإعلام والثقافة وكافة القائمين على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وكذلك المسؤولين عن إدارة المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، بما يلي:

الالتزام باستخدام اللغة العربية السليمة في البرامج الإعلامية والمحتوى المنشور.

الحد من الإفراط في استخدام المصطلحات الأجنبية دون ضرورة.

تعزيز حضور اللغة العربية في الخطاب الإعلامي والإعلاني.

دعم المبادرات الثقافية التي تُعنى بالحفاظ على اللغة العربية وتنميتها.

توعية النشء بأهمية التمسك بلغتهم الأم باعتبارها ركيزة الهوية والانتماء.

إن الانفتاح على العالم لا يعني التفريط في لغتنا، وتعلّم اللغات الأخرى لا ينبغي أن يكون على حساب لغتنا الأم بل يجب أن يكون داعمًا لها لا بديلًا عنها.

فلتكن اللغة العربية حاضرةً في إعلامنا، نابضةً في خطابنا، حيّةً في وجداننا، فهي ليست ماضيًا نعتز به فحسب، بل مستقبلٌ نصونه للأجيال القادمة.

حفظ الله لغتنا العربية، وحفظ بها هويتنا وثقافتنا.

google-playkhamsatmostaqltradentX