دموع في عيون وقحة
بقلم : د . أحمد صفوت غنيم
المقدمة
في عالم الاقتصاد لا تسقط الشركات فجأة كما يتصور البعض، ولا تنهار الإمبراطوريات المالية بين عشية وضحاها. فغالبًا ما يكون السقوط أو الانهيار بقرار إداري خاطئ، يتبعه آخر وهكذا، حتى تتحول هذه الأخطاء الصغيرة إلى حبال تلتف حول عنق الشركة. وحينها يُسدل الستار على قصة نجاحٍ تحولت إلى مأساة، وتذرف الإدارة دموعها… لكنها بمثابة "دموع في عيون وقحة".
الإدارة: سلاح ذو حدين
تعتبر الإدارة هي العقل المدبر الذي يقود الشركة. قد تبني قلاعًا اقتصادية تخلد في التاريخ، وقد تهدمها بقرار خاطئ أو عناد في مواجهة التغيير. والنجاح لا يأتي من المنتجات فحسب، بل من الرؤية، والجرأة على التطوير والاستماع إلى نبض السوق والمنافسين.
حين تخون الإدارة شركاتها
التاريخ مليء بشركات كانت أساطير في مجالاتها، ثم سقطت سقوطًا مدويًا. منها على سبيل المثال لا الحصر:
• كوداك: اخترعت الكاميرا الرقمية عام 1975، لكنها دفنتها في الأدراج خوفًا على أرباح الأفلام التقليدية. النتيجة؟ انهارت حين اجتاحتها التكنولوجيا التي تجاهلتها.
• نوكيا: عملاق الهواتف المحمولة. رفضت الاعتراف بثورة الهواتف الذكية وظلت متشبثة بنظامها القديم. في لحظة تاريخية، خرجت من المنافسة.
• بلاك بيري: رمز الأمان والهيبة في عالم الاتصالات. تمسكت بلوحة مفاتيحها الصلبة وأدارت ظهرها لشاشة اللمس. فاختفت من المشهد كما لو لم تكن يومًا ملكة السوق.
لذلك لم تكن هذه الأخطاء الإدارية مجرد هفوات، بل عنادًا وكبرياء أعمى الطريق أمام التغيير والاستمرارية.
الدرس القاسي لشركة كوداك
تأسست كوداك سنة 1888، وكانت أيقونة عالمية في التصوير الفوتوغرافي. وقد سيطرت على السوق لعقود طويلة، لدرجة إن اسمها أصبح مرادفًا للكاميرا والصورة. وفي السبعينات، استطاع مهندس في الشركة اخترع أول كاميرا رقمية، لكن الإدارة رفضت تطويرها خوفًا من تأثيرها على سوق الأفلام التقليدية.
في (19 يناير 2012) أدلي رئيس شركة كوداك أنطونيو بيريز بيان رسمي لإعلان إفلاس الشركة، وعلى الرغم محاولاته تغليف الخبر بلغة مطمئنة، فقد كانت كلماته أشبه باعتراف متأخر بالذنب. حين وصف الإفلاس بأنه "خطوة ضرورية وصحيحة"، فقد كشف ضمناً أن الخطوات السابقة كانت خاطئة. بالرغم من امتلاك كوداك التكنولوجيا الرقمية منذ بداياتها لكنها ترددت في تبنيها. هذا التردد لم يكن مجرد خطأ عابر، بل كان خطيئة استراتيجية حملت توقيع الإدارة العليا، وعلى رأسها الرئيس التنفيذي أنطونيو بيريز، الذي لم يملك الشجاعة الكافية لاتخاذ قرارات جذرية في الوقت المناسب.
ما جرى مع شركة كوداك ليس مجرد صفحات في كتاب الماضي، بل جرس إنذار يدق في آذان كل إدارة اليوم، وكل شركة. فالسوق لا يرحم والمستهلك لا ينتظر. والتكنولوجيا تركض بسرعة الضوء، ومن يتباطأ يسقط خارج السباق.
كيف تتجنب الشركات مصير العمالقة؟
حتى لا تلحق المؤسسات القائمة بركب كوداك ونوكيا وبلاك بيري، هناك ثلاثة مبادئ لا غنى عنها:
1. الإنصات للسوق: آراء العملاء ليست رفاهية بل رادار يلتقط إشارات التغيير قبل أن تتحول إلى عواصف.
2. الرهان على المستقبل: أي تكنولوجيا ناشئة أو اتجاه جديد قد يبدو غير مربح اليوم، لكنه قد يكون شريان الحياة غدًا.
3. مرونة الإدارة: القائد الذكي لا يتمسك بقراراته لمجرد إثبات صوابها، بل يراجعها باستمرار ويعيد ضبط المسار عند الحاجة.
في النهاية، الشركات لا تموت بسبب التكنولوجيا أو المنافسة فقط، بل تموت حين تخونها إدارتها.
حين يتغلب الغرور على الإصغاء، والعناد على التطوير، والجمود على الابتكار. وعندما تسقط يذرف المديرون الدموع أمام الكاميرات والمساهمين… لكنها تبقى دموعٌ في عيون وقحة.
