خنجر في ظهر الوطن
كتب د. محمد إسماعيل
في عصرٍ صار فيه الفضاء الإلكتروني جزءا لا يتجزأ من حياة الناس لم تعد الحروب تخاض فقط بالسلاح أو على الأرض بل أصبحت تدار خلف الشاشات وبالأنامل على لوحات المفاتيح
وفي قلب هذا المشهد برزت الأكونتات الوهمية كواحدة من أخطر أدوات العبث المجتمعي والتخريب المعنوي هي ليست مجرد حسابات إلكترونية زائفة بل وسيلة خطيرة تستخدم لتدمير الثقة بين أفراد المجتمع وبث الفتنة وتوجيه الرأي العام نحو الهاوية
الأكونت الوهمي هو حساب على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعبر عن شخصية حقيقية بل يدار بأسماء مزيفة وصور مسروقة أو مولدة بالذكاء الصناعي، وغالبا ما يخفي صاحبه هويته لأغراض خبيثة
_ منها نشر الإشاعات
_ تشويه الخصوم
_ الإساءة للرموز
_ وبث الفرقة بين فئات المجتمع
وللأسف لم تعد هذه الحسابات تستخدم للعبث الفردي فقط بل أصبحت تدار في بعض الأحيان من قبل جهات منظمة أو حملات مدفوعة الأجر تحركها أجندات خارجية أو أطماع داخلية
ومن اضرارها
_ تمزيق النسيج الاجتماعي
لا شيء يفتت المجتمع مثل الفتنة ولا سلاح أشد فتكا من الكلمة الكاذبة هذه الحسابات تطلق الشائعات كالسِهام وتؤجج الخلافات وتغذي العداوات الطائفية أو السياسية حتى بين الجيران والأهل والأصدقاء.
وقد تكون الكلمة التي يطلقها حساب وهمي كفيلة بإشعال نار لا تنطفئ
_ إشاعة الأكاذيب وتشويه الحقائق
بلمسة واحدة على زر نشر تستطيع هذه الحسابات أن تطلق أكاذيب لا تحصى تصنع منها رأيا عامًا زائفا أو تشوه منجزا وطنيا أو تضعف الثقة في الدولة ومؤسساتها
وقد أثبتت الدراسات أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع من الأخبار الحقيقية ما يجعل من الأكونتات الوهمية وسيلة مثالية لصناع الفوضى
_قتل السمعة واغتيال الشخصيات
تستخدم هذه الحسابات في كثير من الأحيان لتشويه الرموز والشخصيات العامة سواء كانوا سياسيين أو مرشحين أو مثقفين أو حتى مواطنين عاديين
ويطلق عليها اسم الاغتيال المعنوي حيث يتم تسريب معلومات مفبركة أو صور معدلة أو إشاعات غير مؤكدة بقصد تدمير سمعة الشخص المستهدف
_التدخل في الاستحقاقات الوطنية
في أوقات الانتخابات أو الأزمات تزداد نشاطات هذه الحسابات بشكل واضح
فتوجه ضربات ممنهجة ضد بعض المرشحين أو تروج لمرشحين بعينهم أو تهاجم الدولة ومؤسساتها أو تشكك في نزاهة الإجراءات لتقويض العملية الديمقراطية من جذورها
_ تهديد السلم العام وزعزعة الأمن
قد تحرض بعض الأكونتات الوهمية على العنف أو تطلق دعوات للتظاهر والفوضى أو تفبرك أخبارا تثير الذعر بين المواطنين
وهنا يتحول الخطر من مجرد كلام إلى تهديد مباشر للأمن القومي حيث تصبح الكلمة أخطر من الرصاصة.
_ تأثيرها على الشباب
الكثير من الشباب يتعاملون مع مواقع التواصل على أنها مصدر للمعلومة دون تحقق أو تدقيق وهنا تكمن الكارثة
فالشباب قد يتبنى أفكارا مغلوطة أو يتأثر برموز وهمية أو ينجرف خلف دعوات تحريضية وهو لا يدري فقط لأنه صدق حسابا وهميا يتحدث بثقة أو يلبس عباءة الوطنية الكاذبة ويتتبع عورات الناس
من المهم أن نغرس في أنفسنا وأولادنا ثقافة التحقق قبل التصديق وأن نتعلم التمييز بين الحسابات الحقيقية وتلك الزائفة وأن نكون على وعي بأن كثيرا مما ينشر ليس بريئا بل مقصود به خلق حالة من التوتر والانقسام.
واقول لمن تسول له نفسه أنت تظن أن حسابك وهمي لكن الله يعلم من أنت
تظن أنك تحرض دون مسؤولية لكن الفتنة التي تزرعها قد تحرق بيتك أولا
تتسلى بإشاعة هنا أو تعقيب هناك لكنك قد تتسبب في خراب أو ظلم أو دمعة لا تملك القدرة على محوها
"ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا."
[الإسراء: 36]
نداء الي السلطات لابد من تحرك حاسم وسريع لمواجهة هذا الخطر المتنامي
ويكون بسن قوانين أكثر صرامة لملاحقة الأكونتات الوهمية.
وايضا دعم أجهزة مكافحة الجرائم الإلكترونية بالوسائل الحديثة.
وايضا تكثيف حملات التوعية بمخاطر الشائعات والحسابات المزيفة.
وايضا ملاحقة كل من يثبت تورطه في نشر أخبار كاذبة أو تشويه رموز وطنية أو تحريض على الفوضى.
الوطن ليس سلعة والفتنة ليست رأيا والكلمة ليست دائما بريئة.
ولن يحمى هذا الوطن إلا إذا كنا نحن حراسه بالكلمة الطيبة والموقف الواعي والتصدي لكل حساب وهمي يُحاول العبث بأمنه واستقراره.

