إعجابٌ، فتأثُّرٌ، فاقتباسٌ، أم سَلبٌ؟
بقلم : الكاتبة منال خليل
"إعجابٌ، فتأثُّرٌ، فاقتباسٌ، أم سَلبٌ؟"
أسوأ ما يمكن أن يواجهه أي مبدع هو أن تسلب فكرته وتُعرض كأنها ليست له
الفكرة الأصيلة لا تأتي من فراغ تولد من جهد، من تجربة وتنقيح، من صراع مع المادة والمعنى.
سرقتها ليست مجرد تعدٍ على "الملكية الفكرية"، بل طمس لهوية صاحبها واختزال لجهد لا يُرى إلا في النتيجة.
سواء كنت كاتبًا، موسيقيًا، فنان تشكيلي، أو مصمم… الفكرة التي خرجت منك تستحق أن تُنسب إليك.
وما يحدث حين تُنتزع دون إذن، هو اختلاس للحق، لا إعجاب
الإبداع الحقيقي لا يخشى أن يعترف بجذوره بل يعزّزها ويُضيف إليها.
كل مدرسة فنية، كل تيار فكري، قام على من سبقوه.
لكن الفارق دائمًا فيمن يقتبس بصدق ومن يسرق بتمويه.
النية، التوثيق، والشفافية هي ما يصنع الفرق.
أن تُفرغ جهد غيرك من معناه، أن تسرق فكرة لم تولد فيك، أن تقدّم عملًا ليس لك وكأنه من صنعك.
فهذه ليست مجرد سرقة، بل خيانة للحرفة، للصدق، وللإنسانية
والأدهى حين تُرتكب هذه الخيانة بوجه لا يعرف الخجل حينها لا تكون مجرد مقلّد، بل سارق للمعنى، قاتلًا للروح.
لأن من يسرق فكرة، يُفرغها من صدقها ومن يسطو على الإبداع، يقتل أثره.
وهذه المشكلة لا تقتصر على الكتابة.
الانتحال يحدث في الأدب، الشعر الموسيقى، الرسم، تصميم الأزياء العمارة، الأثاث، وحتى الطبخ.
كل مجال يعتمد على الخيال والعمل الإبداعي يمكن أن يُسرق فيه جهد الآخرين باسم "الإبداع"
وعلى مر العصور وعلى سبيل المثال وليس الحصر :
أليكس هايلي، الكاتب الأمريكي من أصول أفريقية، نشر رواية Roots (جذور) عام 1976، متتبعًا فيها سيرة عبد أفريقي من غامبيا حتى أمريكا.
حققت الرواية نجاح هائل وتحولت إلى مسلسل شهير.
لكن بعد شهرتها، اتّهمه الكاتب هارولد كورلاندر بسرقة فصول من روايته The African (1967)
التحقيق أثبت وجود فقرات شبه حرفية، ودفع هايلي تسوية مالية بلغت 650 ألف دولار.
> المصدر: وثائق المحكمة الأمريكية The New York Times (1978)
بيكاسو، أحد أعظم فناني القرن العشرين، أحدث ثورة عبر لوحته الشهيرة Les Demoiselles d'Avignon (1907)، والتي أرست المدرسة التكعيبية
ما لا يعرفه كثيرون، أن بيكاسو تأثر بعمق بالفن الأفريقي – الأقنعة والمنحوتات التي رآها في متحف Trocadéro بباريس.
استلهمها بصريًا دون أن يذكرها يومًا كمصدر، ما دفع نقادًا إلى وصف ما فعله لاحقًا بـ"الاستعمار الجمالي" – استلهام دون اعتراف.
> المصدر: Picasso and Africa: The Influence of African Art on Picasso, متحف كليفلاند، 2006
رواية عزازيل (2008) ليوسف زيدان فازت بجائزة بوكر العربية، لكنها لم تسلم من الاتهامات بالانتحال.
نُقدت الرواية لتشابهها مع:
"هيباتيا" (1853) لتشارلز كينغسلي
في تصوير الشخصية المسيحية.
"اسم الوردة" (1980) لأمبرتو إيكو
في الأسلوب البوليسي والمخطوط المترجم.
زيدان لم يُشر إلى هذه الأعمال، وقدم الرواية كمخطوط سرياني مكتشف، ما دفع نقادًا إلى اعتباره انتحال أدبي مقنّع
المصادر: أخبار الأدب، الشرق الأوسط العربي الجديد (2008–2010)
فالاقتباس أو التأثر قد يكون مشروع متى ما اقترن بالاعتراف
أما الانتحال، فهو خيانة للثقة قبل أن يكون خيانة للنص
الإبداع لا يخجل من جذوره، بل يعتز بها
والفرق الدائم بين المبدع والمحتال هو الصدق، والاستمرارية، والسبق الإبداعي
وما زال هناك مبدعون، مفكرون، ومصممون يُنتهك إبداعهم وتُسلب أفكارهم بوقاحة، دون خجل أو احترام للحق
يُنتحل جهدهم، وتُمسخ بصمتهم، ويُعرض ما صنعوه بأيدٍ غيرهم وكأنه من خالص أفكار المنتحل
في عالم الإبداع، هناك فرق واضح بين التأثر والانتحال
أن تتأثر بشخص، بمدرسة، باتجاه فني أو فكري، فهذا طبيعي
لكن أن تُخفي هذا التأثر، أن تمحو أثره عمدًا، ثم تقدّم ما اقتبسته كأنه من ابتكارك
فهذا هو السلب
هنا يتحوّل الإعجاب إلى سرقة، والانبهار إلى خداع
جميل أن يبلغ الإنسان درجة من التميز تجعله مدرسة
لكن الأجمل، هو أن يعترف من يسير في هذا الطريق بمن مهّده، ويشير إلى صاحب الفضل، لا أن ينتحل جهده
لكن الزمن لا يحمي الزيف
ومع الوقت، يُكشَف كل ما هو مزيّف، وتنكشف الحقيقة مهما طال طمسها
السطو قد يخدع الناس للحظة… أما الأصالة،فهي التي
تستمر وتكشف عن نفسها دائما في ظل أي
.محاولات للانتحال أو الاقتباس الغير واعي .
هنا يحضرني مقولة
" إن لم تستحي فافعل ما شئت "
