recent
أخبار ساخنة

التكنولوجيات الرقمية ومسألة التغيير الاجتماعي

وليد رزق
الصفحة الرئيسية

 التكنولوجيات الرقمية ومسألة التغيير الاجتماعي 





بقلم : أ . د / هاني جرجس عياد

أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأفروآسيوية المفتوحة 


التكنولوجيا هي كلمة يونانية الأصل، تتألف من مقطعين، وهما: "تكنو" التي تعني فن أو حرفة أو أداء أما المقطع الثاني فهو "لوجيا"، أي دراسة أو علم وبذلك فإن كلمة تكنولوجيا تعني علم المقدرة على الأداء أو التطبيق. 



ويمكننا تعريف التكنولوجيا كذلك بأنها مصدر المعرفة المكرسة لصناعة الأدوات

وإجراء المعالجةواستخراج المواد ويعد مصطلح التكنولوجيا من المصطلحات الواسعة التي تتباين في فهمها بين الأفراد

ويتم استخدامها لإنجاز المهام المختلفة في الحياة اليومية ، لذا يمكن وصفها على أنها المنتجات والمعالجات المستخدمة لتبسيط الحياة اليومية. 



وتعد التكنولوجيا تطبيقا للعلوم المستخدمة لحل المشكلات ويشار إلى أن التكنولوجيا والعلوم موضوعان مختلفان عن بعضهما بعضا ولكنهما يعملان معا لإنجاز مهام معينة أو حل المشكلات. 



ومن هنا يمكن تطبيق التكنولوجيا في جميع مجالات الحياة اليومية، إذ تستخدم في العمل والاتصالات والنقل والتعليم والتصنيع والتجارة وغيرها من الاستخدامات التي تفيد الإنسان إذا تم استخدامها بشكل صحيح وتضره إذا تم استخدامها بشكل خاطئ.



وتجدر الإشارة إلى أن التكنولوجيات الرقمية قد تقدمت بسرعة تفوق أي ابتكار في تاريخنا - حيث وصلت إلى حوالي50% من سكان العالم النامي فيما لا يتجاوز عقدين من الزمان وأحدثت تحولا في المجتمعات.



 ومن خلال تعزيز الاتصال الإلكتروني والشمول المالي وإمكانيات الوصول إلى الخدمات التجارية والعامة، يمكن أن تمثل التكنولوجيا عاملا كبيرا في تحقيق المساواة. 



ففي قطاع الصحة، على سبيل المثال تساعد التكنولوجيات الرائدة التي يدعمها الذكاء الاصطناعي في إنقاذ الأرواح وتشخيص الأمراض وإطالة العمر المتوقع. وفي مجال التعليم، يسرت بيئات التعلم الافتراضي والتعلم عن بعد إمكانية الالتحاق بالبرامج لطلاب كانوا سيتعرضون بدونها للاستبعاد.



 كذلك أخذت الخدمات العامة بفضل المساعدة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، تزداد سهولة في الحصول عليها وتزداد خضوعا للمساءلة من خلال النظم التي تعمل بتقنية سلاسل السجلات المغلقة.


 كما أخذت تبتعد عن الطابع البيروقراطي المرهق. ويمكن للبيانات الضخمة أن تدعم أيضا سياسات وبرامج أكثر تلبية للاحتياجات وأكثر دقة.


 لكن يظل الأشخاص الذين لم تصلهم بعد وسائل الربط الإلكتروني محرومين من منافع هذا العصر الجديد وأبعد عن الركب. 


وكثير ممن تركوا خلف الركب هم من النساء أو كبار السن أو ذوي الإعاقة أو من الأقليات العرقية أو اللغوية وجماعات الشعوب الأصلية وسكان المناطق الفقيرة أو النائية. 


وقد أخذت وتيرة الاتصال الإلكتروني في التباطؤ، بل والتراجع، في بعض الأوساط فعدد النساء اللائي يستخدمن الإنترنت على مستوى العالم، مثلا، يقل بنسبة 12% عن عدد الرجال. وبينما ضاقت هذه الفجوة في معظم المناطق خلال الفترة ما بين عامي 2013 و 2017، فإنها قد اتسعت في أقل البلدان نموا من 30% إلى 33%. 



ومن شأن استخدام الخوارزميات أن يؤدي إلى تكرار التحيز البشري والنظامي بل وتضخيمه عندما تستند في عملها إلى بيانات غير متنوعة بشكل كاف. وقد يعني الافتقار إلى التنوع في قطاع التكنولوجيا أن هذا التحدي لا يعالج على النحو الكافي. 



والجدير بالإشارة أن الخوارزمية تعبر في جهاز الحاسوب عن عملية محددة بعناية تسمح للجهاز بحل المشكلات، ويمكن التعبير عنها أيضا بأنها سلسلة من التعليمات الواضحة؛ أي أنه لا يمكن وجود احتمال لتفسيرا ذاتيا لها، حيث إن جهاز الحاسوب يقوم بتأدية الأمر بنفس الطريقة، ويظهر نفس النتائج في كل مرة يقوم المستخدم بطلبه؛ حيث تستخدم الخوارزمية أيضا في التدقيق الإملائي والحسابات المالية، ومحركات البحث وجميع المهام التي يقوم بها كل جهاز الحاسوب تقريبا. 



وينبغي التذكير أنه ما برحت الثورات التكنولوجية، على مر التاريخ، تغير القوى العاملة: فهي تستحدث أشكال وأنماط عمل جديدة، وتدفع غيرها إلى الاندثار، فتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن التحول إلى اقتصاد أكثر خضرة يمكن أن يوجد 24مليون وظيفة جديدة على مستوى العالم بحلول عام 2030 من خلال اعتماد ممارسات مستدامة في قطاع الطاقة واستخدام المركبات الكهربائية وزيادة كفاءة استعمال الطاقة في المباني الحالية والمستقبلية. 



 وفي الوقت ذاته، تشير تقارير بعض المجموعات مثل مجموعة ماكينزي إلى أن 800 مليون شخص قد يفقدون وظائفهم بسبب التشغيل الآلي بحلول عام 2030، أن النسبة الغالبة من جميع الموظفين يشعرون بالقلق من ألا يكون لديهم التدريب الضروري أو المهارات اللازمة للحصول على عمل جيد الأجر.  



وثمة اتفاق واسع على أن إدارة هذه الاتجاهات سوف تقتضي تغييرات في النهج الذي نتبعه إزاء التعليم، من خلال مثلا، زيادة التركيز على العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات؛ وتعليم المهارات الشخصية والقدرة على التكيف؛ ومن خلال ضمان أن يمكن للناس اكتساب المهارات من جديد والارتقاء بها طوال حياتهم. وسوف يلزم توفير دعم أفضل للعمل غير المدفوع الأجر، كرعاية الأطفال ورعاية المسنين في المنزل على سبيل المثال وخاصة لأن من المحتمل في ظل التحول الذي طرأ على أعمار السكان في العالم

 أن يزداد الطلب على هذه المهام. 



 وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أنه تستخدم اليوم التكنولوجيات الرقمية

 من قبيل تجميع البيانات والذكاء الاصطناعي، لتتبع المشكلات وتشخيصها في مجالات الزراعة والصحة والبيئة

 أو لأداء مهام يومية مثل التعامل مع حركة المرور أو دفع الفواتير. ويمكن استخدامها للدفاع عن حقوق الإنسان وممارستها، إلا أنه يمكن استخدامها أيضا لانتهاك تلك الحقوق، من خلال مثلا  رصد تحركاتنا ومشترياتنا ومحادثاتنا وسلوكياتنا. 


فالحكومات والشركات تتوافر لديها بشكل متزايد الأدوات اللازمة لاستخراج البيانات واستغلالها للأغراض المالية وغيرها.


ومع ذلك، قد تصبح البيانات الشخصية مكسبا للشخص، إذا أتيحت صيغة لتنظيم ملكية البيانات الشخصية بشكل أفضل. 


فالتكنولوجيا التي تعمل على أساس البيانات لها القدرة على تمكين الأفراد وتحسين رفاه البشر، وتعزيز الحقوق العالمية، تبعا لنوع الحماية المتوافرة.

 


ويظهر الواقع أن انتهاك الخصوصية أمر مستمر، حتى في الدول الديمقراطية التي تعمل وفق تشريعات لحماية الخصوصية

لغياب أدوات تطبيق القوانين، ففي الكثير من البلدان تعطى أجهزة الشرطة والأمن صلاحيات تفوق قوانين الخصوصية، ما يجعل الانتهاكات أمرا سهلا. 



أما في الدول العربية فالتشريعات غير قادرة على مواجهة الانتهاكات الحاصلة على الحق في الخصوصية، وهناك ضرورة للعمل على نشر الوعي الثقافي بالحق في الخصوصية، ومعانيه وتبيان أبعاده وأضراره. 


وقد ارتبط مفهوم الجريمة المعلوماتية بما تتضمنه وسائل الاتصال والإعلام، من بيانات ومعلومات، تجمع وتتداول وتخزن وتعالج آليا ورقميا أو إلكترونيا. وهو ما سهل وسرع ووسع الوصول إليها وقرصنتها واختراقها، وقد تكون هذه البيانات مرتبطة بدول وكيانات أو بأفراد وأشخاص بعينهم، وهو ما دفع الدول والمجتمعات لإعادة النظر بمنظومتها القانونية والتشريعية وتجريم مثل هذه الأفعال. 


وبالتالي أصبحت الجريمة المعلوماتية خطرا يهدد المجتمعات الحديثة والرقمية

المعتمدة على استخدام شبكة الإنترنت والأجهزة الإلكترونية. ويمكننا الإشارة إلى أن مخاطر الجريمة المعلوماتية لا تكمن في أجهزة الحاسوب والتقنيات الرقمية 

ذاتها فهي بطبيعتها محايدة إلا أن طريقة استعمالها أو استغلالها، هي التهديد الحقيقي في ظل عدم وجود تنظيمات وقوانين حديثة، تضبط استعمال هذه التقنيات. 



 ومن نافلة القول أن وسائل التواصل الاجتماعي تربط ما بين قرابة نصف سكان العالم بالكامل. وهي تمكن الناس من إسماع أصواتهم والتحدث إلى الأشخاص في جميع أنحاء العالم في الوقت الحقيقي. غير أنها يمكن أيضا أن تعزز أشكال التحيز وتزرع الفرقة، بإتاحة منبر لخطاب الكراهية والمعلومات الخاطئة، أو عن طريق تضخيم أصدائه. 



ومن ثم، يمكن لخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي أن تعزز تجزئة المجتمعات على نطاق العالم. لكن يمكنها أيضا أن تؤدي إلى عكس ذلك.



 ورغم أن التكنولوجيا تجمعنا وتوصلنا ببعضنا البعض، لكن جائحة كوفيد-19سلطت الضوء على أن عالمنا منقسم إلى نصفين: الأول متصل بالإنترنت، والنصف الآخر ليس متصلا فروقات تعزز انقسام عالمنا وانعدام المساواة فيه أكثر من أي وقت مضى.


 

وبحسب البحوث، 54% فقط من سكان العالم متصلون بالإنترنت. وفي 47 دولة من البلدان الأقل تطورا، 19% فقط متصلون بالإنترنت. 



فقد سلطت جائحة كـوفيد-19 الضوء على التفاوتات العالمية وأدت إلى تفاقمها بحسب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والذي أضاف قائلا: "لكن الاستجابة أوضحت أيضا الدور المركزي للتكنولوجيا في الحفاظ على الاقتصادات والنظم الصحية قيد التشغيل، وتعليم اليافعين، وإبقاء الجميع على اتصال".  



ولا شك أن أي عملية للتغيير بما فيها دخول التكنولوجيا الحديثة في حياتنا تحتاج إلى نضوج ثقافي وقابلية على استيعاب أبعادها وتداعياتها لدى كل إنسان. وفي حال عدم نضوج ثقافة تتقبل التغيير أو غياب هذه الثقافة أصلا تجعل الإنسان في حالة توجس لكل ما هو جديد يحدث في العالم، فيبدأ بالنظر إلى سلبياته ويبحث في مخاطره، ويغوص في اوهامه وتصوراته من دون كلل أو ملل. 


ويبدأ صناع الكلام بإضفاء هالات من الخوف والرعب على التقدم التكنولوجي الحديث، ويبادرون بامتشاق سيوفهم العنترية لحماية أجيالنا وشبابنا من هذه الصناعة الفاسدة والتي تدعو إلى التحلل والابتعاد عن قيمنا وتقاليدنا وموروثنا الثقافي. 



 إن التغيير الاجتماعي سنة كونية وعامل لابد منه على اختلاف الحضارات والأديان والأمم والعوامل المحيطة، وكم من أمم قاومت التغيير فكانت نهايتها الهلاك أو الضلال، من يريد البقاء عليه بالتغيير ومواكبة ما حوله من متغيرات ومنها التغيرات التكنولوجية التي أثرت في حياتنا إلى حد كبير والتي تعد إحدى أنواع النظريات العاملية التي تتضمن أيضا نظرية العامل الديموغرافي والإيكولوجي والاقتصادي والثقافي.



 ومن المفيد في هذا المجال أن نذكر ما كتبه آلفين توفلر في كتابه "الموجة الثالثة": "لقد جلبت لنا الحضارة نمطا عائليا جديدا، وغيرت طرق العمل، والحب والمعيشة، وظهر اقتصاد جديد نتج عنه مشاكل سياسية جديدة، وفي خلفية كل ذلك تبدل وعي الإنسان". 



إن أثر التقنيات المتطورة أصبح أكثر وضوحا في عملية نمو المجتمعات، وذلك من خلال استعمال التكنولوجيا الرقمية المختلفة لأغراض كثيرة منها العمل على رفع مستوى التنمية بالأخص تنمية الموارد البشرية، سواء كانت فردية أو جماعي فالتقنيات والوسائل التي تحتويها التكنولوجيا الرقمية لها أثر بالغ الأهمية على أفراد المجتمع في مختلف المجالات والجوانب سواء التعليم، أو التجارة

 أو الاقتصاد، أو السياسة وغيرها. 



ويجب ألا نغفل أن الاتصالات تؤثر بشكل إيجابي على الأفراد ذوي الاحتياجات الخاصة، من خلال زيادة فرصهم في العمل والتعليم، حيث يلاحظ استخدام الاتصالات في مختلف جوانب الحياة حاليا، ومن ضمنها الترفيه، لذا منحت الاتصالات هؤلاء الأشخاص القدرة على التواصل، من خلال إجراء المحادثات، وإقامة المؤتمرات عن بعد، وحتى القدرة على التعليم والتوظيف وغيرها من الأمور التي كانت تعتبر من التحديات قديما.



عموما تعتبر تكنولوجيات الاتصال والمعلومات مفيدة عبر نتائجها الإيجابية لتخلق عالما جديدا ومتطورا يعتمد على الابتكار والإبداع ويساهم في تطوير الموارد البشرية العربية. أما نتائجها السلبية فكانت تأثيراتها مدمرة للمكاسب الوطنية ومنتهِكة لحقوق الشركات والأفراد و أيضا لسيادة الدول. 



وأحب أن أختم بما قاله جيم يونغ كيم رئيس مجموعة البنك الدولي: "إن أكبر ثورة تكنولوجية في العالم تحدث تحولا في أنشطة الأعمال والحكومات، بيد أن المنافع ليست تلقائية ولا مؤكدة. يجب أن نضمن أن هناك مشاركة واسعة النطاق لمنافع التقنيات الجديدة، لاسيما للفقراء. 


وتشير الأدلة إلى أنه يمكننا أن نفعل ذلك من خلال تحسين المنافسة بين مؤسسات الأعمال، والاستثمار في البشر- بداية من الحوامل، للتيقن من أن جميع الأطفال يتمتعون بالقدرات الإدراكية التي تتيح لهم لاحقا اللحاق بالثورة الرقمية".

google-playkhamsatmostaqltradentX