recent
أخبار ساخنة

مظاهر الأمومة في الموروث الشعبي

 مظاهر الأمومة في الموروث الشعبي




كتب د.عبد الرحيم ريحان


تتجلى مظاهر الأمومة في مواطن هامة وشديدة التأثير داخل موروثنا الشعبي فالأمومة تعني العنصر الأنثوي الذي يحتفظ داخل ذاكرته الشفاهية بكم هائل من المأثورات وهي كل ما توارثته الأجيال وانتقل من الآباء إلى الأبناء شفاهيًا مثل العادات والمعتقدات والتقاليد والأعراف والأغاني والحكايات والأمثال الشعبية تلك المأثورات تمكنت من الصمود عبر الزمن وتميزت بإعادة الانتاج ولاتزال تؤدي وظيفة سلوكية هامة في حياة الناس والعقل الجمعي وذلك بالإضافة إلي الجانب المادي من المأثور والذي يتمثل في فنون التشكيل الشعبي والحرف اليدوية وأيضًا فنون الأداء الحركي الذي يتجسد في الرقصات والألعاب الشعبية .

ومن هذا المنطلق كانت دراسة الباحثة فى الفولكلور والثقافة الشعبية زينب محمد عبد الرحيم مشيرة إلى أن الأم هى العنصر الأنثوي الأهم في منظومة التراث حيث أن النساء بشكل عام والأمهات بشكل خاص يمتلكون أنواعًا متعددة من أشكال الموروث الشعبي داخل ذاكرتهم وفي صدورهم، فالنساء بالأساس هن من حافظن على الحكايات والأمثال وأيضًا المعتقدات وعادات الطب الشعبي وكل مايتعلق بدورة الحياة من المهد إلي اللحد .



وتشير الباحثة زينب محمد عبد الرحيم إلى دور المرأة في ميدان الأدب الشعبي خاصةً في أدب المناسبات العائلية فيقول "رشدي صالح" أن ذلك الأدب من صُنع المرأة لا الرجل وأشد الأنواع اختمارًا هو البكائيات فهي تمثل لنا مشاعر مضغوطة اختمرت في نفسية المرأة حقبة طويلة فأصبحت حين تقعد للبكاء تستقطب ميراثًا عريضًا من الضغط فلا تبكي الميت بقدر ما تبكي نفسها وليس من الغريب أبدًا أن تكون البكائيات هي فن التسرية لدي المرأة كلما خلت إلى نفسها

وهناك مناسبات للغناء وألوان منه وقف على المرأة وحدها مثل أغاني الختان الاستحمام والفطام، مداعبة الأطفال وتنويم الطفل والمفاخرة بابنها وعند استقباله بعد عودته من الكُتاب لأول مرة وفيما يخص الإبداع نجد للمرأة فنونها الخاصة مثل الحُلي والأزياء وفي مجال المعتقدات الشعبية نجد المرأة تتفرد بطقس الزار والشبشبة وحلب النجوم.

وتنوه الباحثة زينب محمد عبد الرحيم إلى مظاهر الأمومة في الحياة الشعبية منذ أن تلد الأم وتضع طفلها ذكر كان أم أنثى فتبدأ مظاهر العادات الشعبية في التجلي أثناء احتفال السبوع حيث أن هذا الطقس الاحتفالي ملئ بالموروثات الشعبية والتي تضرب بجذورها إلى عمق الأساطير المتوارثة من حضارات العالم القديم، فمع هذا الاحتفال تبدأ منظومة العادات والمعتقدات وأيضًا الأغاني الشعبية في التضافر معًا مكونة هذا الاحتفال الخاص بالنساء والأطفال ومن أشهر الأغاني الخاصة بالسبوع حالاقاتك برجالاتك حلقة دهب في وداناتك




وأغنية يارب ياربنا تكبروتبئا قدنا وأثناء رش الملح بغرض إبعاد العين الشريرة والحاسدة ترش الأم الملح وتقول يا ملح دارنا كتر عيالنا وتدق الهون أيضًا لنفس الغرض وهو إبعاد أي أرواح شريرة يمكنها أن تؤذي الطفل ونري عناصر ثقافية كثيرة داخل هذا الاحتفال ويختتم  السبوع باسمع كلام أمك متسمعش كلام أبوك إلى أن تخطي الأم سبع خطوات فوق الطفل الأولى بسم الله والثانية بسم الله إلي السابعة رقيتك رقوة محمد بن عبد الله وينتهي الاحتفال ولا تنتهي مظاهر الأمومة خلال السنوات الأولى من عمر الطفل

فترة الرضاعة واحتضان الأم للطفل

وتتابع الباحثة زينب محمد عبد الرحيم بأن فترة الرضاعة واحتضان الأم للطفل هي فترة محورية بها العديد من المظاهر الثقافية المتوارثة والكثير منا سمعها وتربى عليها بل وقالها أيضًا سواءً كان رجل أو إمرأة فحتى وإن كانت هذه العادة المتمثلة في الغناء أو الحكي تخص النساء فهذا لايعني جهل الرجال بها بل على العكس يعرفها الرجال ولكن بروز دور المرأة ودورها الجوهري يجعل من الرجل في هذه المنظومة الخاصة بالأم والطفل عنصر فرعي متلقي للحكايات والأغاني ولكنه ليس راويًا جيدًا لهذا النوع من الأبداع

فالأم أثناء فترة الرضاعة تغني وهي تهنن طفلها ولدينا الكثير من أغاني المهد للطفل وهذه الاغاني تُغنى غالبًا قبل النوم لتهدأت وتدليل الأطفال وفي أوقات التهنين وتهدئة الطفل للنوم تغني الأم لطفلها بصوتها الهاديء "ياحبية من زمان وأنتِ في أبراج الحمام، ننه هوهُ  ننه نام، نام يا حبيبي نام وأدبحلك جوزين حمام، تاتا خطي العتبة تاتا حبة حبة

وذلك مع التهنين وهزهزت الطفل حتى يخلد إلى النوم وتسخدم الأمهات كثيرًا الشخشيخة لتهدأت الطفل أثناء البكاء وهذا يجعلنا نذكر التشابة الكبير بين هذه العادة وصلاصل حتحور الأم الكونية في الحضارة المصرية القديمة وتلك الصلاصل أو شخشية حتحور كانت تمثل طقسًا هامًا في تهدأت غضب الآلهة وإبعاد الأرواح الشريرة والمزعجة .

وعندما يكبر الطفل ويصل إلى الفُطام نجد أن الأم هي من تحكي وتروي وتُبدع في فن الحدوتة فمن منا لم ينشأ على حكايات أمه والجدات؟ فهن بكل تأكيد كنزًا بشريًا حامل للتراث، ومن هنا تبدأ الأم في زرع منظومة القيم وتبدأ التنشئة الأولى للطفل من خلال الحواديت التي تتمثل في الشاطر حسن وست الحُسن وفرط الرُمان وغيرها من الحواديت والحكايات الموجودة في تراثنا الشعبي وكل أطفال العالم ينشئون على الحواديت وتعتبر الأم والجدة الراوي لهذا النوع من الحكي ليس في ثقافة معينة بل في كل العالم بل والأكثر غرابة أن كثير من الحواديت تتشابة إلى حد كبير مع نظيرتها في ثقافات الشعوب الأخرى مثل بياض الثلج القصة الألمانية وشبيهتها ست الحُسن والجمال، وقصة سندريلا الألمانية وشبيهتها بدر الصباح وأيضًا رادوبيس المصرية القديمة

وعندما تبدأ الأم في الحكي لطفلها أثناء الخلود إلي النوم لابد وأن تروي الافتتاحية التقليدية للحدوتة والتي تعتبر أيضًا من أهم الخصائص الحدوتة فتقول " كان يا مكان يا سادة يا كرام مايحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام" " كان يا مكان في سالف العصر والأوان كان في ...."

وتبدأ الأم أن تحكي الحدوتة لأبناءها بأسلوب مشوق وجذاب وتعطي من خلال الحدوتة قيمة أخلاقية تتمثل في معاني الخير والأمانة وأحترام الكبير والعطف على الصغير وبالنسبة للفتيات يتعلمن من الحواديت عدم الانسياق وراء الغرباء ومساعدة الأم في المنزل وأيضًا مساعدة كل محتاج حتى تكون تصبح جميلة مثل ست الحُسن ويجب أن يسمع الولد كلام والديه ويكون شجاعًا حتى يكون مثل الشاطر حسن وغيرها من الحكايات التى يحاكيها ويتعلمها الأطفال فتكون الحدوتة حجر الأساس الأول في تنشئة الأطفال على معاني وقيم الحق والخير والجمال وهذا مايحتاجة الطفل في السنوات الأولى من حياته، ثم تختتم الأم الحدوتة في عدة سياقات " توتة توتة خلصت الحدوتة ... حلوة ولا ملتوته؟ أو"عاشوا في تبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات"

الأم والطب الشعبي:

وتوضح الباحثة زينب محمد عبد الرحيم أن الطب الشعبي يندرج داخل منظومة علم الفولكلور كفرع من المعتقدات الشعبية وأيضًا مرتبط أرتباطًا وثيقًا بالمعارف الشعبية وتتميز الجدات والأمهات في الثقافة الشعبية بإعتمادهن على الكثير من المعارف الشعبية الخاصة بالطب الشعبي والمعالجة بالأعشاب والرقية والتعاويذ وغيرها من الوصفات وتلجأ الأمهات كثيرًا إلى ما يُعرف بالطرق التقليدية في علاج الأطفال من المغص عن طريق غلي اليانسون و الأعشاب لتهدئة معدة الطفل وعند السُعال غلي ورق الجوافة وعندما يُصاب الطفل بجرح تسد الدم بالبن وعندما تشعر الأم أن طفلها محسود تقوم بقراءة الرقي عليه وتقول " بسم الله أرقيك من كل شئ يأذيك الله يشفيك"

وأحيانًا تقوم بأطلاق البخور وفي بعض الحالات المرضية المستعصية على الأم في المنزل تلجأ إلى طرق شعبية آخرى كالذهاب إلى شيوخ الأضرحة أو زيارة الأولياء والقديسيين والتوسل لهم من أجل طلب الشفاء وهذه العادة المرتبطة بزيارة الأولياء طلبًا في الشفاء لها عمق حضاري في الحضارة المصرية القديمة حيث كان المصريين قديمًا يذهبون إلى المعابد التي خُصصت للطبيب إمحوتب ويلتمسون من روحه العلاج وعُثر على نصوص دونها المصريون بأنفسهم يشكرون روح الطبيب إمحوتب على مساعدة المريض والشفاء من الأمراض

فهذه العادة متوارثة من المصري القديم ولم تنشأ من فراغ ولكن لها جذر حضاري عميق في الذاكرة الثقافية لدي الثقافة الشعبية المصرية .

وتتجلى مظاهر الأمومة في الأمثال الشعبية ونصائح الأم لابنها بعد أن يبلغ مرحلة المراهقة وتحتضن ابنتها وتعطيها هذا المخزون من الموروثات المتمثل في الحكايات وغيرها من عناصر الثقافة الشعبية وتنصحها عند اقتراب الزواج وهناك عادات لا حصر لها في هذا الاحتفال بداية من تجهيز العروسة وتنظيف جسدها وتزينه بالحنة وغيرها من الأعشاب ويتخلل كل هذا الأغنية الشعبية وما تحمله من معاني تُجسد شكل العلاقة الزوجية وربما بها بعد المحذورات ولكن العقل الجمعي أتفق على تلك الكلمات ولازالت تحتفظ وتؤدي وظيفتها لمن يحفظها فكل هذا الموروث الضخم يتجسد في الأم وما تحمله من موروث مرتبط بابنائها منذ الولادة وحتى ترى أحفادها وتُصبح جدة تروي الحكايات لأحفادها ولا يسعها إلا أن تقول أعز الولد ولد الولد .أأ

 

google-playkhamsatmostaqltradentX