مهارات استخدام لغة الجسد "في السنة النبوية المشرفة"أ.د/محمد مختار جمعة
متابعة _ ياسمين أحمد المحلاوى
لقد ضرب لنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) أعظم المثل في استخدام مهارات التواصل الدعوي بمختلف أنواعها حتى وإن لم يسمها بذلك ، أو لم تعرف في زمانه (صلى الله عليه وسلم) بهذا الاسم، فقد أداها بما آتاه الله (عز وجل) وعلمه إياه من البلاغة والفصاحة والبيان ، وما آتاه من جوامع الكلم وأدواته ووسائله , ومع ذلك كله حرص (صلى الله عليه وسلم) على التنوع في الأسلوب واستخدام سائر مهارات التواصل الدعوي للنفاذ إلى عقل المتلقي وقلبه , وإثارة اهتمامه وانتباهه , وإيقاظ مشاعره.
ومن هذه المهارات مهارة استخدام لغة الجسد الرصينة المتزنة , كتغيير وضع الجسد لإثارة الانتباه, ومن ذلك قوله (صلى الله عليه وسلم) : " أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ" قُلْنَا : بَلَى يَا رَسُولَ الله ، قَالَ : " الإِشْرَاكُ بِالله ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ" وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ، فَقَالَ : " أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ" فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لاَ يَسْكُتُ .
فلا شك أن تغيير النبي (صلى الله عليه وسلم) وضعه من الاتكاء إلى الجلوس كان على سبيل إثارة انتباه السامع والمتلقي إلى أهمية ما سيلقي من الكلام , وأن له خصوصية اقتضت تغيير النبي (صلى الله عليه وسلم) لوضع جسده الشريف من الاتكاء إلى الجلوس , تأكيدًا على خطورة وأهمية ما سيذكر بعده من قول الزور , لما يترتب عليه من الظلم وضياع الحقوق ، والتحذير من خطورة الوقوع فيه ومغبته وسوء عاقبته .
ومنها الإشارة إلى القلب ، حيث يقول (صلى الله عليه وسلم): "إِنَّ الله لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ" وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : "لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَا هُنَا"، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ".
ومنها الإشارة ببعض أصابعه كالإشارة بالسبابة والوسطى ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) :"أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا" وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا" ، وعن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) قال: كَانَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه وسلم) إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلاَ صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: "صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ"، وَيَقُولُ : "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ"، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى .. ، ويقول (صلى الله عليه وسلم): "مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ"، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ.
ومنها الإشارة إلى اللسان ، حيث يقول (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه : "أَلاَ تَسْمَعُونَ إِنَّ الله لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلاَ بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ" .