شهدت السياسة المالية في الدولة المصرية تحولًا بنيويًا عميقًا منذ انطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي في نوفمبر 2016. ولم يكن هذا البرنامج مجرد استجابة لأزمة عابرة في ميزان المدفوعات، بل كان إعادة تعريف شاملة لدور الدولة في الاقتصاد، ولعلاقة الموازنة العامة بالمواطن وبالسوق وبالعالم الخارجي.
فـقبل الإصلاح، كانت السياسة المالية رهينة لدائرة مغلقة من العجز المتزايد، والدين المتصاعد، والدعم غير الموجه، أما بعده فقد تحولت إلى أداة رئيسية لتحقيق الاستقرار والانضباط وإعادة بناء الثقة في الاقتصاد الوطني.
أولًا: تكريس مبدأ الانضباط المالي واستدامة الموازنة
كان الإنجاز الأبرز لبرنامج الإصلاح هو وضع حد لحالة السيولة المالية غير المنضبطة.
فقد تبنت الدولة استراتيجية واضحة تقوم على ترشيد الإنفاق العام ورفع كفاءته من خلال تطبيق منظومة إدارة المعلومات المالية الحكومية، وميكنة الموازنة، وإحكام الرقابة على الصناديق الخاصة.
وقد أسفر هذا التوجه عن تحقيق فائض أولي في الموازنة العامة للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، وهو ما يعني أن إيرادات الدولة أصبحت تغطي مصروفاتها دون احتساب فوائد الدين.
وهذا التحول له دلالة تتجاوز الأرقام المحاسبية؛ فهو يشير إلى أن الدولة لم تعد تقترض لتمويل استهلاكها الجاري، بل أصبحت قادرة على توجيه مواردها نحو الاستثمار.
ثانيًا: الإصلاح الجذري في هيكل الإيرادات العامة
قام برنامج الإصلاح على محورين أساسيين في جانب الإيرادات.
المحور الأول: الإصلاح الضريبي، حيث تم استبدال ضريبة المبيعات بضريبة القيمة المضافة، وهو ما أدى إلى توسيع القاعدة الضريبية، وتوحيد سعر الضريبة، وتقليل التشوهات.
كما تم إطلاق مشروعات قومية كبرى لتحديث الإدارة الضريبية وعلى رأسها منظومة الفاتورة الإلكترونية والإيصال الإلكتروني بهدف دمج الاقتصاد غير الرسمي، الذي يمثل نسبة كبيرة من الناتج المحلي، وتحقيق العدالة الضريبية.
أما المحور الثاني، فيتمثل في إعادة هيكلة منظومة الدعم، حيث لطالما كان دعم الطاقة عبئًا ثقيلًا على الموازنة العامة، وكان يذهب الجزء الأكبر منه إلى غير مستحقيه.
وقد قامت السياسة المالية الجديدة على التحرير التدريجي لأسعار الطاقة، مع إعادة توجيه الوفر المتحقق إلى قطاعات أكثر إلحاحًا وأكثر عدالة.
فتمت زيادة مخصصات برامج الحماية الاجتماعية، مثل برنامج «تكافل وكرامة»، ومضاعفة مخصصات الصحة والتعليم في الموازنة، تطبيقًا لمبدأ الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن.
ثالثًا: التحول النوعي في أولويات الإنفاق العام
لم يعد الإنفاق العام يُدار بمنطق تسيير الأعمال اليومية، بل أصبح موجهًا بشكل استراتيجي نحو الاستثمار في المستقبل.
ويمكن رصد هذا التحول في مسارات متكاملة؛ فهناك توسع واضح في الاستثمارات العامة في البنية التحتية، من شبكات طرق وموانئ ومحطات طاقة، وهي استثمارات تهدف إلى خفض تكلفة الإنتاج، وتحسين بيئة الأعمال، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر.
إلى جانب ذلك، تم تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي، حيث أصبحت الحماية الاجتماعية مكونًا أصيلًا في السياسة المالية، وليست مجرد بند تكميلي.
فقد تم التوسع في برامج الدعم النقدي المشروط وغير المشروط لحماية الفئات الأكثر تأثرًا من آثار الإصلاح.
كما تم الوفاء بالاستحقاقات الدستورية الخاصة بزيادة الإنفاق على قطاعي الصحة والتعليم، باعتبارهما استثمارًا في رأس المال البشري.
رابعًا: إدارة الدين العام بمنهجية استثمارية
تعامل برنامج الإصلاح مع ملف الدين العام باعتباره قضية استراتيجية تتعلق بالأمن القومي الاقتصادي.
فتم وضع استراتيجية متوسطة الأجل لإدارة الدين تقوم على تنويع مصادر التمويل وأدواته، وإطالة متوسط عمر الدين وتخفيض تكلفة خدمته.
والأهم من ذلك هو تغيير فلسفة الاقتراض ذاتها، حيث أصبح الاقتراض مرتبطًا بتمويل مشروعات قومية كبرى قادرة على توليد عوائد وتدفقات نقدية تسهم في سداد الدين، بدلًا من استخدامه في تمويل عجز الموازنة الجارية.
كما تم العمل على خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل مستدام.
وفي الختام
إن المتأمل في مسار السياسة المالية المصرية خلال السنوات الماضية يدرك أن الأثر الحقيقي لبرنامج الإصلاح الاقتصادي لا يكمن في تحسن المؤشرات الكلية فحسب، بل في استعادة الدولة المصرية لسيادتها المالية.
فالسياسة المالية المستقلة هي التي تعتمد على مواردها الذاتية وتوجه إنفاقها نحو الإنتاج، وتحمي فئاتها الضعيفة بكرامة وتدير ديونها بمسؤولية.
وقد أثبتت التجربة المصرية أن الانضباط المالي ليس هدفًا في حد ذاته، بل هو الوسيلة لتمكين الدولة من الصمود أمام الصدمات الخارجية المتلاحقة، ومن بناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة وأكثر عدالة في توزيع ثماره.
ويبقى التحدي الأكبر في المرحلة القادمة هو الحفاظ على مكتسبات الانضباط المالي، مع العمل على تحويله إلى تحسن ملموس يشعر به المواطن في مستوى الخدمات العامة، وفي استقرار الأسعار، وفي فرص العمل المتاحة.
