recent
أخبار ساخنة

هندسة الانكسار : كيف نصنع من المحن جسورًا للعبور نحو العطاء؟

هندسة الانكسار : كيف نصنع من المحن جسورًا للعبور نحو العطاء؟



كتبت : منى منصور السيد

في عالمٍ تسوده المتغيرات، لا تخلو صفحات البشر من فصولٍ قاسية نطلق عليها الابتلاءات.

 يراها البعض نهايةَ الطريق، بينما يراها آخرون مجرد مخاضٍ لولادة ذاتٍ جديدة أكثر صلابة.

 لكن السؤال الذي يطرح نفسه وسط ركام الأزمات هو: كيف يمكن للإنسان أن يحوّل حطام نفسه إلى أحجارٍ يبني بها صرحًا من العطاء؟ وكيف تتحوّل الطاقة الكامنة في الألم من معول هدم إلى قوة بناء وتغيير؟

إن الابتلاء في جوهره ليس عقوبة، بل هو اختبار كفاءة للمعدن الإنساني؛ حيث يجمع خبراء النفس والاجتماع على أن الأزمات الكبرى تعمل كعملية صنفرة للشخصية، فهي تزيل القشور الزائفة والاهتمامات الهامشية، وتضع الإنسان وجهًا لوجه أمام جوهره الحقيقي.

ويبدأ تحوّل الابتلاء إلى عطاء من لحظة الإدراك؛ حين يتوقف المرء عن سؤال: لماذا أنا؟ ويبدأ في التساؤل: ماذا بعد؟

هنا يتفجر العطاء، فالمعاناة تمنح صاحبها سلطة أخلاقية وقدرة فريدة على فهم آلام الآخرين، مما يحوّل المبتلى إلى مُلهِم، والمجروح إلى مُعالِج.

وتمثل العواطف الناتجة عن الابتلاء، من حزن وغضب وقلق، شحنات طاقة هائلة؛ فإذا بقيت حبيسة النفس تحولت إلى أمراض عضوية أو اكتئاب حاد، وهي حينئذٍ طاقة هدم. 


أما إذا جرى توجيهها، فإنها تصبح وقودًا لا ينفد للإنجاز.

وتبرز هنا قوة التسامي، وهي قدرة النفس على تحويل الدوافع السلبية إلى أعمال إبداعية أو إنسانية؛ فالرسام الذي يفرغ حزنه في لوحة، والباحث الذي يدفعه فقدان عزيز بمرضٍ ما إلى اكتشاف علاج، كلاهما حوّل الهدم إلى بناء من خلال البحث عن المعنى.

إن المعنى هو ما يحوّل الصبر من حالة استسلام سلبية إلى حالة بناء إيجابية. ولا يتوقف أثر هذا التحول على الفرد فحسب، بل يمتد إلى المجتمع؛ فأعظم المؤسسات الخيرية والمبادرات الإنسانية في العالم وُلدت من رحم معاناة شخصية. 

فعندما يقرر الإنسان أن يحمي الآخرين من تذوق المرارة التي تذوقها، فإنه يحوّل ابتلاءه الخاص إلى مظلةٍ عامة تحمي المجتمع.

إن الابتلاء طاقة خام، تشبه طاقة الرياح العاتية؛ إما أن تقتلع الأشجار، أو تدير الطواحين لتوليد النور.

 واستغلال الطاقة الكامنة في أنفسنا يتطلب شجاعة للاعتراف بالألم، وحكمة لتوجيهه، وإيمانًا بأن كل انكسار هو في الحقيقة فرصة لمرور الضوء إلى الداخل.

وفي النهاية، نحن لا نختار الابتلاءات التي تواجهنا، لكننا نملك كامل الحرية في اختيار رد الفعل.

فاجعل من انكسارك بدايةً لترميم العالم من حولك.

google-playkhamsatmostaqltradentX